⟨لَا يَغْلُظُ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَ لَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ نَاصِرٌ لِلدِّينِ مُحَامٍ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ⟩
النهاية: أصل العفو المحو و الطمس، و عفت الريح الأثر محته و طمسته، و منه حديث أم سلمة: لا تعف سبيلا كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لحبها، أي لا تطمسها، و عفى الشيء كثر و زاد، يقال: أعفيته و عفيته، و عفا الشيء درس و لم يبق له أثر، و عفا الشيء صفا و خلص، انتهى.و أقول: يمكن أن يحملها بعضهم على الفناء في الله باصطلاحهم و الأظهر ما في المجالس و غيره و أكثر نسخ الكتاب" عنى" بالعين المهملة و النون المشددة أي أتعب و العناء بالفتح و المد التعب" بآبائنا و أمهاتنا" قال الشيخ البهائي (ره) هذا الباء يسميها بعض النحاة باء التفدية و فعلها محذوف غالبا و التقدير نفديك بآبائنا و أمهاتنا، و هي في الحقيقة باء العوض نحو خذ هذا بهذا، و عد منه قوله تعالى:" ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾"." هؤلاء أولياء الله" هو استفهام محذوف الأداة و يمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم و التأكيد في قوله إن أولياء الله- إلى آخره- لكون الخبر ملقى إلى السائل المتردد على الأول، و لكون المخاطب حاكما بخلافه على الثاني إن جعل قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن أولياء الله، ردا لقولهم هؤلاء أولياء الله أي أولياء الله أناس أخر فَكَانَ نَظَرُهُمْ عِبْرَةً وَ نَطَقُوا فَكَانَ نُطْقُهُمْ حِكْمَةً وَ مَشَوْا فَكَانَ مَشْيُهُمْ بَيْنَ النَّاسِ بَرَكَةً لَوْ لَا الْآجَالُ الَّتِي قَدْ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ تَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ خَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ وَ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِصفاتهم فوق هذه الصفات، و إن جعل تصديقا لقولهم و وصفا للأولياء بصفات أخرى زيادة على صفاتهم الثلاث السابقة، فالتأكيد لكون الخبر ملقى إلى الخلص الراسخين في الإيمان، فهو رائج عندهم متقبل لديهم صادر عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن كمال الرغبة و وفور النشاط لأنه في وصف أولياء الله بأعظم الصفات فكأنه مظنة التأكيد كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى:" وَ إِذٰا ﴿لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قٰالُوا آمَنّٰا﴾*"." فكان سكوتهم ذكرا" أي عند سكوتهم قلوبهم مشغولة بذكر الله و تذكر صفاته الكمالية و آلائه و نعمائه و غرائب صنعه و حكمته، و في رواية المجالس كما أشرنا إليه: فكان سكوتهم فكرا.و قال الشيخ البهائي (ره): أطلق على سكوتهم الفكر لكونه لازما غير منفك عنه، و كذا إطلاق العبرة على نظرهم و الحكمة على نطقهم و البركة على مشيهم و جعل (صلى الله عليه و آله و سلم) كلامهم ذكرا ثم جعله حكمة إشعارا بأنه لا يخرج عن هذين، فالأول في الخلوة و الثاني بين الناس، و لك إبقاء النطق على معناه المصدري أي إن نطقهم بمهما نطقوا به مبني على حكمة و مصلحة" فكان مشيهم بين الناس بركة" لأن قصدهم قضاء حوائج الناس و هدايتهم و طلب المنافع لهم و دفع المضار عنهم مع أن وجودهم سبب لنزول الرحمة عليهم و دفع البلايا عنهم." لم تقر أرواحهم" في المجالس لم تستقر" خوفا من العذاب و شوقا إلى الثواب" فيه إشارة إلى تساوي الخوف و الرجاء فيهم، و كونهما معا في الغاية القصوى و الدرجة العليا كما مضت الأخبار فيه...........ثم اعلم أن كون الشوق إلى الثواب سببا لمفارقة أرواحهم أوكار أبدانهم و طيرانها إلى عالم القدس و محل الأنس و درجات الجنان و نعيمها ظاهر، و أما الخوف من العقاب إما لشدة الدهشة و استيلاء الخوف عليهم، كما فعل بهمام لعدهم أنفسهم من المقصرين أو يريدون اللحوق بمنازلهم العالية حذرا من أن تتبدل أحوالهم و تستولي الشهوات عليهم، فيستحقون بذلك العذاب، فلذا يستعجلون في الذهاب إلى الآخرة، ثم قال الشيخ المتقدم (ره): المراد بمعرفة الله تعالى الاطلاع على نعوته و صفاته الجلالية و الجمالية بقدر الطاقة البشرية و أما الاطلاع على حقيقة الذات المقدسة فمما لا مطمع فيه للملائكة المقربين و الأنبياء المرسلين فضلا عن غيرهم، و كفى في ذلك قول سيد البشرما عرفناك حق معرفتك،و في الحديث:
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور