⟨أحد خطيئة، و عن ابن عباس هي تلك الأرض و إنما تغير صفاتها، و رووا عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) " إنه⟩
قال تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ فتبسط: و تمد مد الأديم العكاظي لٰا تَرىٰ فِيهٰا عِوَجاً وَ لٰا أَمْتاً".قوله:" أخبرني متى لم يكن" الظاهر أن السائل سأل عن ابتداء وجوده تعالى فأجاب (عليه السلام) بأن ابتداء الوجود إنما يكون لمن كان له عدم قبل الوجود، و الله تعالى أزلي لا يجوز عليه العدم، أو أنه سأل عن مدة زمان وجوده، فأجاب (عليه السلام) بأنه ليس لوجوده نهاية في الأزل، و إلا كان معدوما قبلها.قوله (عليه السلام):" ما تقول في أصحاب النهروان" أراد (عليه السلام) الاحتجاج عليه فيما كان يعتقده من رأي الخوارج، فقال: إن قلت: إن الخوارج قتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بحق فقد ارتددت و رجعت عن مذهبك، و إن قلت: إن قتلهم كان باطلا فقد نسبت البطلان و القتل بغير حق إلى علي (عليه السلام) و كفرت بذلك.
و كان هذا منه (عليه السلام) أخذا في الاحتجاج، و أراد أن يثبت بالبرهان عليه كفره بهذه العقيدة، فلم يقف ليتم عليه الحجة، إما لعلمه بأنه (عليه السلام) يغلب عليه في الحجة، و يفتضح بذلك، أو لأنه كان لا يظهر هذا الرأي لكل أحد و كان يخفيه فخاف أن يشتهر بذلك و يكفره الناس، و يحتمل أن يكون غرضه (عليه السلام) الاحتجاج عليه بأن عامة المسلمين يحكمون بكفره بذلك، سوى شذاذ من الخوارج حتى الخليفة الذي أذعن ظاهرا بحقيته، فإنهم لم يكونوا يخطئون أمير المؤمنين (عليه السلام) ظاهرا في قتال الخوارج.
حَدِيثُ نَصْرَانِيِّ الشَّامِ مَعَ الْبَاقِرِ (عليه السلام)[الحديث 94]94 عَنْهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ أَخْرَجَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فَأَنْزَلَهُ مِنْهُ وَ كَانَ يَقْعُدُ مَعَ النَّاسِ فِي مَجَالِسِهِمْ فَبَيْنَا هُوَ قَاعِدٌ وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ يَسْأَلُونَهُ إِذْ نَظَرَ إِلَى النَّصَارَى يَدْخُلُونَ فِي جَبَلٍ هُنَاكَ فَقَالَ مَا لِهَؤُلَاءِ أَ لَهُمْ عِيدٌ الْيَوْمَ فَقَالُوا لَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَكِنَّهُمْ يَأْتُونَ عَالِماً لَهُمْ فِي هَذَا الْجَبَلِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَيُخْرِجُونَهُ فَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا يُرِيدُونَ وَ عَمَّا يَكُونُ فِي عَامِهِمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَ لَهُ عِلْمٌ فَقَالُوا هُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ قَدْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ الْحَوَارِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى (عليه السلام) قَالَ فَهَلْ نَذْهَبُ إِلَيْهِ قَالُوا ذَاكَ إِلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَقَنَّعَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ وَ مَضَى هُوَ وَ أَصْحَابُهُ فَاخْتَلَطُوا بِالنَّاسِ حَتَّى أَتَوُا الْجَبَلَحديث نصراني الشام مع الباقر (عليه السلام) الحديث الرابع و التسعون: مجهول.و ضمير عنه راجع إلى أحمد بن محمد بن خالد.و رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن أبان مثله بأدنى تغيير، و رواه السيد ابن طاوس في كتاب أمان الأخطار عن كتاب دلائل النبوة لمحمد بن جرير الطبري الإمامي بإسناده عن الصادق ( (عليه السلام) ) في خبر طويل مشتمل على معجزات كثيرة منه (عليه السلام) و أورده الراوندي أيضا في كتاب الخرائج و الجرائح، و قد أوردناها جميعا في كتاب بحار الأنوار في أبواب تاريخ الباقر (عليه السلام).قوله:" فأنزله معه" أي في بيته أو المراد أنه أجلسه معه على سريره، و يؤيده أن في التفسير و كان ينزله معه، و في أمان الأخطار لما دخل عليه، قال له: إلى يا محمد فصعد أبي إلى السرير و أنا أتبعه فلما دنى من هشام قام إليه و اعتنقه و أقعده عن يمينه.قوله:" فقنع أبو جعفر" (عليه السلام) و لعله (عليه السلام) إنما فعل ذلك لئلا يعرفوه، قوله فَقَعَدَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَسْطَ النَّصَارَى هُوَ وَ أَصْحَابُهُ وَ أَخْرَجَ النَّصَارَى بِسَاطاً ثُمَّ وَضَعُوا الْوَسَائِدَ ثُمَّ دَخَلُوا فَأَخْرَجُوهُ ثُمَّ رَبَطُوا عَيْنَيْهِ فَقَلَّبَ عَيْنَيْهِ كَأَنَّهُمَا عَيْنَا أَفْعًى ثُمَّ قَصَدَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَقَالَ يَا شَيْخُ أَ مِنَّا أَنْتَ أَمْ مِنَ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) بَلْ مِنَ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ فَقَالَ أَ فَمِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنْتَ أَمْ مِنْ جُهَّالِهِمْ فَقَالَ لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهِمْ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ أَسْأَلُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) سَلْنِي فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى رَجُلٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ سَلْنِي إِنَّ هَذَا لَمَلِيءٌ بِالْمَسَائِلِ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ سَاعَةٍ مَا هِيَ مِنَ اللَّيْلِ وَ لَا مِنَ النَّهَارِ أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ لَا مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَمِنْ أَيِّ السَّاعَاتِ هِيَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) مِنْ سَاعَاتِ الْجَنَّةِ وَ فِيهَا تُفِيقُ مَرْضَانَا فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ فَأَسْأَلُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) سَلْنِي فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى إِنَّ هَذَا لَمَلِيءٌ بِالْمَسَائِلِ أَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَيْفَ صَارُوا يَأْكُلُونَ وَ لَا يَتَغَوَّطُونَ" ثم ربطوا عينيه" لعلهم ربطوا حاجبيه فوق عينيه كما في الخرائج فرأينا شيخا سقط حاجباه على عينيه من الكبر و في أمان الأخطار قد شد حاجبيه بحريرة صفراء و يحتمل أن يكون المراد ربط أشفار عينيه فوقهما لتنفتحا أو ربط ثوب شفيف على عينيه بحيث لا يمنع رؤيته من تحته، لئلا يضره نور الشمس لاعتياده بالظلمة و الأول أظهر معنى و إن كان تطبيق اللفظ عليه يحتاج إلى تقدير و تكلف، قوله:" لمليء" أي جدير بأن يسأل عنه.قوله (عليه السلام) " ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس" هذا لا ينافي ما نقله العلامة و غيره من إجماع الشيعة على كونها من ساعات النهار، لأن الظاهر أن المراد بهذا الخبر إنها ساعة لا تشبه شيئا من ساعات الليل و النهار، بل هي شبيهة بساعات الجنة، و إنما جعلها الله في الدنيا ليعرفوا بها طيب هواء الجنة و لطافتها و اعتدالها على أنه يحتمل أن يكون (عليه السلام) أجاب السائل على ما يوافق غرضه و اعتقاده و مصطلحه.
أَعْطِنِي مَثَلَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) هَذَا الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُ أُمُّهُ وَ لَا يَتَغَوَّطُ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ أَ لَمْ تَقُلْ مَا أَنَا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) إِنَّمَا قُلْتُ لَكَ مَا أَنَا مِنْ جُهَّالِهِمْ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ فَأَسْأَلُكَ أَوْ تَسْأَلُنِي فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) سَلْنِي فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى وَ اللَّهِ لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَرْتَطِمُ فِيهَا كَمَا يَرْتَطِمُ الْحِمَارُ فِي الْوَحَلِ فَقَالَ لَهُ سَلْ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ رَجُلٍ دَنَا مِنِ امْرَأَتِهِ فَحَمَلَتْ بِاثْنَيْنِ حَمَلَتْهُمَا جَمِيعاً فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَ وَلَدَتْهُمَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَ مَاتَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَ دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ عَاشَ أَحَدُهُمَا خَمْسِينَ وَ مِائَةَ سَنَةٍ وَ عَاشَ الْآخَرُ خَمْسِينَ سَنَةً مَنْ هُمَا فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) عُزَيْرٌ وَ عَزْرَةُ كَانَا حَمَلَتْ أُمُّهُمَا بِهِمَا عَلَى مَا وَصَفْتَ وَ وَضَعَتْهُمَا عَلَى مَا وَصَفْتَ وَ عَاشَ عُزَيْرٌ وَ عَزْرَةُ كَذَا وَ كَذَا سَنَةً ثُمَّ أَمَاتَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عُزَيْراً مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بُعِثَ وَ عَاشَ مَعَ عَزْرَةَ هَذِهِ الْخَمْسِينَ سَنَةً وَ مَاتَا كِلَاهُمَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي قَطُّ أَعْلَمَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ حَرْفٍ وَ هَذَا بِالشَّامِ رُدُّونِي قَالَ فَرَدُّوهُ إِلَى كَهْفِهِ وَ رَجَعَ النَّصَارَى مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ عقوله (عليه السلام) " هذه الخمسين سنة" أي تتمة الخمسين، و في التفسير كان عمل أمهما على ما وصفت، و وضعتهما على ما وصفت، و عاش عزرة و عزير ثلاثين سنة ثم أمات الله عزيرا مائة سنة، و بقي عزرة يحيى ثم بعث الله عزيرا فعاش مع عزرة عشرين سنة، و في أمان الأخطار إنه عاش قبل موته خمسا و عشرين سنة، و بعده أيضا مثل ذلك، و في الخرائج بعد ذلك فخر الشيخ مغشيا عليه، فقام أبي و خرجنا من الدير فخرج إلينا جماعة من الدير، و قالوا: يدعوك شيخنا فقال أبي: ما لي بشيخكم من حاجة، فإن كان له عندنا حاجة فليقصدنا، فرجعوا ثم جاءوا به و أجلس بين يدي أبي.فقال: ما اسمك؟
قال:
محمد قال: أنت محمد النبي؟
قال:
لا أنا ابن ابنته، قال: ما اسم أمه قال: أمي فاطمة، قال: من كان أبوك؟
قال:
اسمه علي قال: أنت ابن إليا بالعبرانية؟
و علي بالعربية قال: نعم، قال ابن شبر أو شبير؟قال إني ابن بشير قال الشيخ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا حَدِيثُ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام)[الحديث 95]95 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ وَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّهْدِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) وَ هُوَ فِي الْحَبْسِ كِتَاباً أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ وَ عَنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَاحْتَبَسَ الْجَوَابُ عَلَيَّ أَشْهُراً ثُمَّ أَجَابَنِي بِجَوَابٍ هَذِهِ نُسْخَتُهُ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ أَبْصَرَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم).الحديث الخامس و التسعون: رواه بثلاثة أسانيد في الأول ضعف، و الثاني حسن كالصحيح، و في الثالث ضعف أو جهالة، لكن مجموع الأسانيد لتقوي بعضها ببعض في قوة الصحيح، و رواه الصدوق بسند صحيح.قوله:" بعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين" أي أبصار قلوب المؤمنين و إدراكهم للمعارف الربانية إنما هو بما جعل فيها من نوره و أفاض عليها بقدرته و تجلى عليها من عظمته.قوله (عليه السلام):" و بعظمته و نوره عاداه الجاهلون" أي نوره و دوام ظهوره صار سببا لإنكار الجاهلين لأن وجود الشيء بعد عدمه و عدمه بعد وجوده سبب لعلم القاصرين، بإسناد ما يعدم عند عدمه إليه، كما أن الشمس لو لم يكن لها غروب لأنكر الجاهل كون نور العالم بالشمس، فلما صار الهواء بعد غروبها مظلما حكم بكون النور منها فكذلك شمس عالم الوجود، لاستمرار إفاضته، و بقاء ذلك النظام المستمر به، يقول الجاهل لعل هذا الصنع حدث بلا صانع، و هذا النظام بلا مدبر، و كذا عظمته منعت العقول عن الإحاطة به، فتحيروا فيه و أثبتوا له الْجَاهِلُونَ وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَدْيَانِ الْمُتَضَادَّةِ فَمُصِيبٌ وَ مُخْطِئٌ وَ ضَالٌّ وَ مُهْتَدٍ وَ سَمِيعٌ وَ أَصَمُّ وَ بَصِيرٌ وَ أَعْمَى حَيْرَانُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَرَفَ وَ وَصَفَ دِينَهُ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَمَّا بَعْدُما لا يليق بذاته و صفاته تعالى، و يحتمل أن يكون المراد أن كثرة النور تمنع عن إدراك القاصرين، و فرط الظهور يغلب على مدارك العاجزين، فكما أن الخفاش لضعف بصره لا ينتفع بنور الشمس فكذا الأذهان القاصرة لضعفها نوره الباهر يغلب عليها فلا تحيط به.و بعبارة أخرى: لما كان تعالى في غاية الرفعة و النور و العظمة و الجلال، و الجاهلون في نهاية الانحطاط و النقص و العجز، فلذا بعدوا عن معرفته لعدم المناسبة فأنكروه و حصل بينهم و بينه تعالى بون بعيد، فجحدوه فضعف بصيرتهم حجبهم عن أنوار جلاله و نقصهم منعهم عن إدراك كماله.قوله (عليه السلام):" و بعظمته و نوره ابتغى من في السماوات" إلى آخره- و هذه الفقرة قريبة في المال من الفقرة السابقة، و الحاصل أن عظمته و نوره و ظهوره دعت العباد إلى الإقبال إلى جنابه، لكن لفرط نوره و عظمته و جلاله، و وفور جهلهم و قصورهم و عجزهم صاروا حيارى، فيما يتوسلون به إليه من الأعمال و الأديان، فمنهم مصيب برشده، و منهم مخطئ بغيه فكل منهم يطلبونه، لكن كثير منهم أخطأ و السبيل، و ضلوا عن قصد الطريق، فهم يسعون على خلاف جهة الحق عامهين، و يتوسلون بما يبعدهم عن المراد جاهلين.قوله (عليه السلام):" عرف و وصف دينه محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) " كذا في بعض النسخ فقوله عرف بتخفيف الراء أي عرف محمد دينه و وصفه، و في بعض النسخ عز و وصف أي عز هو تعالى و وصف للخلق دينه محمد، و في بعض النسخ محمدا بالنصب فعرف بتشديد الراء و الأول أظهر و أصوب.
فَإِنَّكَ امْرُؤٌ أَنْزَلَكَ اللَّهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةٍ خَاصَّةٍ وَ حَفِظَ مَوَدَّةَ مَا اسْتَرْعَاكَ مِنْ دِينِهِ وَ مَا أَلْهَمَكَ مِنْ رُشْدِكَ وَ بَصَّرَكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِتَفْضِيلِكَ إِيَّاهُمْ وَ بِرَدِّكَ الْأُمُورَ إِلَيْهِمْ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ أُمُورٍ كُنْتُ مِنْهَا فِي تَقِيَّةٍ وَ مِنْ كِتْمَانِهَا فِي سَعَةٍ فَلَمَّا انْقَضَى سُلْطَانُ الْجَبَابِرَةِ وَ جَاءَ سُلْطَانُ ذِي السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ بِفِرَاقِ الدُّنْيَا الْمَذْمُومَةِ إِلَى أَهْلِهَا الْعُتَاةِ عَلَى خَالِقِهِمْ رَأَيْتُ أَنْ أُفَسِّرَ لَكَ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَيْرَةُ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ قِبَلِ جَهَالَتِهِمْ فَاتَّقِ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ خُصَّ لِذَلِكَ الْأَمْرِ أَهْلَهُ وَ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ سَبَبَ بَلِيَّةٍ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ أَوْ حَارِشاً عَلَيْهِمْ بِإِفْشَاءِ مَا اسْتَوْدَعْتُكَ وَ إِظْهَارِ مَا اسْتَكْتَمْتُكَ وَ لَنْ تَفْعَلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِنَّ أَوَّلَ مَا أُنْهِي إِلَيْكَ أَنِّي أَنْعَى إِلَيْكَ نَفْسِي فِي لَيَالِيَّ هَذِهِ غَيْرَ جَازِعٍ وَ لَا نَادِمٍقوله (عليه السلام):" و حفظ مودة" كأنه معطوف على قوله:" منزلة" أي جعلك تحفظ مودة أمر استرعاك، و هو دينه، و يمكن أن يقرأ حفظ على صيغة الماضي، ليكون معطوفا على قوله:" أنزلك".قوله (عليه السلام):" كنت منها" على صيغة المتكلم.قوله:" و جاء سلطان ذي السلطان" أي كنت أتقي هذه الظلمة في أن أكتب جوابك، لكن في تلك الأيام دنى أجلي و انقضت أيامي و لا يلزمني الآن التقية و جاء سلطان الله فلا أخاف من سلطانهم.قوله (عليه السلام):" المذمومة إلى أهلها" لعل المراد أنها مذمومة بما يصل منها إلى أهلها الذين ركنوا إليها كما يقال استذم إليه أي فعل ما يذمه على فعله و يحتمل أن تكون إلى بمعنى اللام، أو بمعنى عند، أي إنما هي لهم بئست الدار، و أما للصالحين فنعمت الدار فإن فيها يتزودون لدار القوام.قوله (عليه السلام):" أو حارشا عليهم" التحريش: الإغراء على الضرر و الحرش الصيد، و يطلق على الخديعة، و المعنى الأول هنا أنسب، و لعل الحرش أيضا جاء بهذا المعنى و إن لم يذكر فيما عندنا من كتب اللغة.
وَ لَا شَاكٍّ فِيمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا قَدْ قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ حَتَمَ فَاسْتَمْسِكْ بِعُرْوَةِ الدِّينِ آلِ مُحَمَّدٍ وَ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْوَصِيِّ بَعْدَ الْوَصِيِّ وَ الْمُسَالَمَةِ لَهُمْ وَ الرِّضَا بِمَا قَالُوا وَ لَا تَلْتَمِسْ دِينَ مَنْ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِكَ وَ لَا تُحِبَّنَّ دِينَهُمْ فَإِنَّهُمُ الْخَائِنُونَ الَّذِينَ خَانُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ وَ تَدْرِي مَا خَانُوا أَمَانَاتِهِمُ ائْتُمِنُوا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَحَرَّفُوهُ وَ بَدَّلُوهُ وَ دُلُّوا عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ فَأَذَاقَهُمُ اللّٰهُ لِبٰاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَوَ سَأَلْتَ عَنْ رَجُلَيْنِ اغْتَصَبَا رَجُلًا مَالًا كَانَ يُنْفِقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَمَّا اغْتَصَبَاهُ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَيَا حَيْثُ غَصَبَاهُ حَتَّى حَمَّلَاهُ إِيَّاهُ كُرْهاً فَوْقَ رَقَبَتِهِ إِلَى مَنَازِلِهِمَا فَلَمَّا أَحْرَزَاهُ تَوَلَّيَا إِنْفَاقَهُ أَ يَبْلُغَانِ بِذَلِكَ كُفْراً فَلَعَمْرِي لَقَدْ نَافَقَا قَبْلَ ذَلِكَ وَ رَدَّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَامَهُ وَ هَزِئَا بِرَسُولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ هُمَا الْكَافِرَانِ عَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ*وَ اللَّهِ مَا دَخَلَ قَلْبَ أَحَدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ مُنْذُ خُرُوجِهِمَا مِنْ حَالَتَيْهِمَا وَ مَا ازْدَادَا إِلَّا شَكّاًقوله (عليه السلام):" و لا شاك" بالتخفيف من الشكاية أو بالتشديد أي لا أشك في وقوع ما قضى و قدر، بل أعلمه يقينا أو لا أشك في خيريته.قوله (عليه السلام):" و سألت عن رجلين" يعني أبا بكر و عمر عليهما اللعنة" اغتصبا رجلا" يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) " مالا" يعني الخلافة و ما يتبعها من الأموال و الغنائم و الولايات و الأحكام؟.قوله (عليه السلام):" حتى حملاه إياه" لعل المراد تكليفه (عليه السلام) بالبيعة، فإن معناه أن يحمل الخلافة التي هي حقه على ظهره، و يسلمها إليهم في منازلهم، و يحتمل أن يكون المراد تكليفهم إياه (عليه السلام) حمل ما كانوا يعجزون عنه من أعباء الخلافة من حل المشكلات، و رد الشبهات و فصل القضايا التي أشكلت عليهم.قوله:" أ يبلغان بذلك كفرا" استفهام من تتمة نقل كلام السائل، و قوله:" فلعمري" ابتداء الجواب، و في بعض النسخ [ليبلغان] باللام المفتوحة، أي و الله ليكفران بذلك، فهذا ابتداء الجواب، قوله (عليه السلام):" منذ خروجهما من جاهليتهما" كَانَا خَدَّاعَيْنِ مُرْتَابَيْنِ مُنَافِقَيْنِ حَتَّى تَوَفَّتْهُمَا مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِلَى مَحَلِّ الْخِزْيِ فِي دَارِ الْمُقَامِ وَ سَأَلْتَ عَمَّنْ حَضَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَ هُوَ يُغْصَبُ مَالَهُ وَ يُوضَعُ عَلَى رَقَبَتِهِ مِنْهُمْ عَارِفٌ وَ مُنْكِرٌ فَأُولَئِكَ أَهْلُ الرِّدَّةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ*
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور