الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالنصّ على الأئمة
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول · رقم ١٤

و روي أيضا عن ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بأسانيدهم عن أبي هريرة

خلفائه و فرائضه و نواهيه و أو أمره، و" البوار" الهلاك، و الحمل على المبالغة كالفقر السابقة." و لا يوجد منه بدل" أي في زمانه" هيهات" أي بعد البلوغ إلى معرفة الإمام" هيهات" أي بعد إمكان اختياره غاية البعد،" و الحلوم" كالألباب: العقول، و" ضلت" و" تاهت" و" حارت" متقاربة المعاني، و خسأ بصره كمنع خسأ و خسوءا أي كل، و منه قوله تعالى:" يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خٰاسِئاً".و يقال: تصاغرت إليه نفسه أي صغرت، و التقاصر مبالغة في القصر أو هو إظهاره كالتطاول، و" حصر" كعلم: عي في المنطق، و" الأدباء" جمع أديب و هو المتأدب الشُّعَرَاءُ وَ عَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ وَ عَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ وَ أَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَ التَّقْصِيرِ وَ كَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ أَوْ يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ يُغْنِي غِنَاهُ لَا كَيْفَ وَ أَنَّى وَ هُوَ بِحَيْثُ النَّجْمُ مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِينَ وَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا وَ أَيْنَ الْعُقُولُ عَنْ هَذَا وَ أَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا أَ تَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ آلِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَذَبَتْهُمْ وَ اللَّهِ أَنْفُسُهُمْ وَ مَنَّتْهُمُ الْأَبَاطِيلَ فَارْتَقَوْا مُرْتَقًى صَعْباً دَحْضاً تَزِلُّ عَنْهُ إِلَى الْحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ رَامُوابالآداب الحسنة، و قد شاع إطلاقه على العارف بالقوانين العربية و يقال: ما يغني عنك هذا أي ما ينفعك و يجديك، و" الغناء" بالفتح: النفع" لا" تصريح بالإنكار المفهوم من الاستفهام، حذفت الجملة لدلالة ما قبلها على المراد أي لا يوصف بكله إلى آخر الجمل." كيف" تكرار للاستفهام الإنكاري الأول تأكيدا" و أنى" مبالغة أخرى بالاستفهام الإنكاري عن مكان الوصف و ما بعده" و هو بحيث النجم" الواو للحال و الضمير للإمام (عليه السلام) و الباء بمعنى في، و حيث ظرف مكان، و النجم مطلق الكواكب، و قد يخص بالثريا، و هو مرفوع على الابتداء و خبره محذوف، أي مرئي، لأن حيث لا يضاف إلا إلى الجمل" من يد المتناولين" الظرف متعلق بحيث، و هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس." كذبتهم" بالتخفيف أي قالت لهم كذبا، أو بالتشديد أي إذا رجعوا إلى أنفسهم شهدت بكذب مقالهم" و منتهم الأباطيل" أي أوقعت في أنفسهم الأماني الباطلة، أو أضعفتهم قال الجوهري: الأمنية واحدة الأماني تقول منه: تمنيت الشيء و منيت تمنية، و فلان يتمنى الأحاديث أي يفتعلها و هو مقلوب من المين و هو الكذب، و قال: منه السير أضعفه و أعياه، و يقال: مكان دحض و دحض بالتحريك أي زلق، و في القاموس رجل جائر بائر أي لم يتجه لشيء، و لا يأتمر رشدا و لا يطيع مرشدا" انتهى". إِقَامَةَ الْإِمَامِ بِعُقُولٍ حَائِرَةٍ بَائِرَةٍ نَاقِصَةٍ وَ آرَاءٍ مُضِلَّةٍ فَلَمْ يَزْدَادُوا مِنْهُ إِلَّا بُعْداً قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*وَ لَقَدْ رَامُوا صَعْباً وَ قَالُوا إِفْكاً وَ ضَلُّوا ضَلٰالًا بَعِيداًوَ وَقَعُوا فِي الْحَيْرَةِ إِذْ تَرَكُوا الْإِمَامَ عَنْ بَصِيرَةٍ وَ زَيَّنَ ﴿‏لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ‏﴾ وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَرَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ وَ اخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ وَ الْقُرْآنُ يُنَادِيهِمْ- وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ ﴿‏مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ‏﴾ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا" فلم يزدادوا منه" أي من الإمام الحق" إلا بعدا" و في بعض النسخ بعد ذلك:و قال الصفواني في حديثه:" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*" ثم اجتمعا في الرواية.أقول: رواة نسخ الكليني كثيرة أشهرهم الصفواني و النعماني فبعض الرواة المتأخرة منهم عارضوا النسخ و أشاروا إلى الاختلاف، فالأصل برواية النعماني و لم يكن فيه:" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*" و كان في رواية الصفواني فأشار هنا إلى الاختلاف" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ*" دعاء عليهم بالهلاك و البعد عن رحمة الله، لأن من قاتله الله فهو هالك بعيد عن رحمة الله أو تعجب عن شناعة عقائدهم و أعمالهم" أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*" قال الراغب: أي يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، و من الصدق في المقال إلى الكذب، و من الحسن في الفعل إلى القبيح، و الإفك الكذب، و كل مصروف عن وجهه." وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ" في طلب الإمام باختيارهم" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" و هو الإمام و معرفته" وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" أي عالمين بذلك السبيل، أو قادرين على العلم فقصروا." وَ يَخْتٰارُ" أي ما يشاء" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" كلمة" ما" نافية، و قيل: موصولة، مفعول ليختار، و العائد محذوف، و المعنى يختار الذين كان لهم فيه الخيرة و الخيرة بمعنى التخيير" سُبْحٰانَ اللّٰهِ" تنزيها له أن ينازعه أحد في الخلق و يزاحم اختياره" وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ" أي عن إشراكهم في الخلق و الاختيار.قال السيد في الطرائف: روى محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى:" يُشْرِكُونَوَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ ﴿‏أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏﴾الْآيَةَ وَ قَالَ- ﴿‏مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا بٰالِغَةٌ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا‏﴾وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ" قال: إن الله تعالى خلق آدم من طين حيث شاء، ثم قال:" وَ يَخْتٰارُ" إن الله تعالى اختارني و أهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا، و جعلني الرسول و جعل علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوصي، ثم قال:" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا و لكني اختار من أشاء، فأنا و أهل بيتي صفوة الله و خيرته من خلقه، ثم قال:" سُبْحٰانَ اللّٰهِ (وَ تَعٰالىٰ) عَمّٰا يُشْرِكُونَ" يعني تنزيه الله عما يشرك به كفار مكة، ثم قال:" وَ رَبُّكَ" يا محمد" يَعْلَمُ مٰا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ" من بغض المنافقين لك و لأهل بيتك" وَ مٰا يُعْلِنُونَ" من الحب لك و لأهل بيتك.و أقول: ليس قوله:" من أمرهم" في القرآن و لا في العيون و معاني الأخبار و غيرهما من كتب الحديث، و لعله زيد من النساخ، و على تقديره يمكن أن يكون في قراءتهم (عليهم السلام) كذلك، أو زاده (عليه السلام) تفسيرا." أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ" أي من السماء" فِيهِ تَدْرُسُونَ" أي تقرءون" ﴿‏إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ‏﴾" أي إن لكم ما تختارونه و تشتهونه، قيل: أصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس، فلما جئت باللام كسرت، و يجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استينافا، و تخير الشيء و اختياره: أخذ خيره." أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا" أي عهود مؤكدة بالإيمان" بٰالِغَةٌ" متناهية في التأكيد" إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ" متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو مبالغة أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم" إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ" جواب القسم لأن معنى" أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا" أم أقسمنا لكم." سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ" أي بذلك الحكم قائم يدعيه و يصححه م" أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ" صٰادِقِينَوَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ فَلٰا ﴿‏يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا‏﴾أَمْ طَبَعَ ﴿‏اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا‏﴾ يَفْقَهُونَأَمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ ﴿‏لٰا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّٰهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ‏﴾ وَ لَوْ ﴿‏عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ‏﴾ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْيشاركونهم في هذا القول" ﴿‏فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا صٰادِقِينَ‏﴾" في دعواهم إذ لا أقل من التقليد، قال البيضاوي: قد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيها على مراتب النظر و تزييفا لما لا سند له" أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا" المانعة من دخول الحق فيها.قيل: تنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، و إضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة." أم طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ*" هذا من كلامه (عليه السلام) اقتبسه من الآيات و ليس في القرآن بهذا اللفظ، و" أم" منقطعة في مقابلة قوله:" و القرآن يناديهم" أي ختم ﴿‏الله على قلوبهم فهم لا يعلمون‏﴾ ما في متابعة القرآن و موافقة الرسول من السعادة، و ما في مخالفتهما و القول بالرأي من الشقاوة." أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ" هذا أيضا اقتباس، و في القرآن" ﴿‏يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ‏﴾ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ" أي سماع انقياد و إذعان فكأنهم لا يسمعون أصلا و بعد ذلك في القرآن:" إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ" أي شر البهائم عِنْدَ اللّٰهِ" الصُّمُّ" عن الحق" الْبُكْمُ" عنه" الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ" الحق فقد عد من لم يعمل بالآيات و لم يتفكر فيها شر البهائم، لإبطالهم عقولهم التي بها يتميزون عنها، و من جملة تلك الآيات ما دل على المنع من القول في الدين بالرأي و الاختيار و بعد تلك الآيات قوله:" وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً" قال البيضاوي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات" لَأَسْمَعَهُمْ" سماع تفهيم" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" و قد علم أن لا خير فيهم" لَتَوَلَّوْا" و لم ينتفعوا به أو ارتدوا بعد التصديق و القبول مُعْرِضُونَ" وَ هُمْ مُعْرِضُونَ" لعنادهم انتهى.و يمكن أن يكون غرضه (عليه السلام) تأويل الآيات بالإمامة بأن يكون المراد بقوله:" أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ" في إمامة علي (عليه السلام) ثم قال:" لَوْ ﴿‏عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ‏﴾" إمامة علي (عليه السلام) و بطلان أئمة الضلال بأصرح مما في القرآن" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" كذلك و هم على هذه الشقاوة" لَتَوَلَّوْا" صريحا و ارتدوا عن الدين ظاهرا، و لم تكن المصلحة في ذلك، فلذا لم يسمعهم كذلك، و بالجملة لا بد أن يكون المراد بالإسماع إسماعا زائدا على ما لا بد منه في إتمام الحجة إما بزيادة التصريح، أو بالألطاف الخاصة التي لا يستحقها المعاندون.و أورد ههنا إشكال مشهور و هو أن أمير المؤمنين المذكورتين في الآية بصورة قياس اقتراني ينتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا و هذا محال، لأنه على تقدير أن يعلم الله فيهم خيرا لا يحصل منهم التولي بل الانقياد، و قد ظهر من كلام البيضاوي لذلك جواب. و الجواب الحق أنه ليس المقصود في الآية ترتب قياس اقتراني حتى يلزم أن يكون منتجا مشتملا على شرائط الإنتاج، و ليس مشتملا عليها لعدم كلية الكبرى، إذ قوله تعالى:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" ليس المراد أنه على أي تقدير أسمعهم لتولوا، بل على هذا التقدير الذي لا يعلم الله فيهم الخير لو أسمعهم لتولوا و لذا لم يسمعهم إسماعا موجبا لانقيادهم، و الجملة الثانية مؤكدة للأولى، أي عدم إسماعهم في تلك الحالة، لأنه لو أسمعهم لتولوا، و يحتمل أن يكون في قوة استثناء نقيض التالي فيكون قياسا استثنائيا.و ينسب إلى المحقق الطوسي (رحمه الله) أنه أجاب عن هذا الإشكال بأن المقدمتين مهملتان و كبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية، و لو سلم فإنما ينتجان لو كانت الكبرى لزومية و هو ممنوع، و لو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة، لأن علم الله تعالى فيهم خيرا محال، إذ لا خير فيهم، و المحال جاز أن يستلزم المحال...........و قال بعض الأفاضل هذا الجواب و أصل السؤال كلاهما باطل لأن لفظ" لو" لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني، و إنما يستعمل في القياس الاستثنائي، المستثنى منه نقيض التالي لأنه معتبر في مفهوم" لو" فلو صرح به كان تكرارا، و كيف يصح أن يعتقد في كلام الحكيم تعالى و تقدس أنه قياس أهملت فيه شرائط الإنتاج، فأي فائدة تكون في ذلك، و هل يركب القياس إلا لحصول النتيجة؟ بل الحق أن قوله تعالى:" وَ لَوْ ﴿‏عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ‏﴾" وارد على قاعدة اللغة، و هي أن امتناع الشرط يعني أن سبب عدم الإسماع في الخارج عدم العلم بالخير فيهم من غير ملاحظة أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي، ثم ابتدأ قوله:" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا" كلاما آخر على طريقة قوله (عليه السلام):" نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" يعني أن التولي لازم على تقدير الإسماع، فكيف على تقدير عدمه، فهو دائم الوجود، و هذه الطريقة غير طريقة أرباب الميزان الذين يستعملون لفظ" لو" في القياس الاستثنائي، و غير طريقة أهل اللغة الذين يستعملونه لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط، و بناء هذه الطريقة على أن لفظ" لو" يستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة مع وجود الشرط و عدمه، و ذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، و يكون نقيض ذلك الشرط أنسب و أليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط و عدمه فيكون دائم الوجود في قصد المتكلم.و قال التفتازاني: يجوز أن تكون الشرطية الثانية أيضا مستعملة على قاعدة أَمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰابَلْ هُوَ ﴿‏فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ‏﴾ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِفَكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ وَ الْإِمَامُ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ وَ رَاعٍ لَا يَنْكُلُ مَعْدِنُاللغة كما هو مقتضى أصل" لو" فتفيد أن التولي منتف بسبب انتفاء الإسماع، لأن التولي هو الإعراض عن الشيء و عدم الانقياد له، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق منهم التولي و الإعراض عنه، و لم يلزم من هذا تحقق الانقياد له.فإن قيل: انتفاء التولي خير و قد ذكر أن لا خير فيهم؟قلنا: لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير، و إنما يكون خيرا لو كانوا من أهله بأن سمعوا شيئا ثم انقادوا له و لم يعرضوا، انتهى.أقول: و يحتمل على ما أشرنا إليه من حمل قوله:" لَأَسْمَعَهُمْ" على الهدايات و الألطاف الخاصة، أن يحمل قوله سبحانه" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ" على غير ذلك من أصل الاستماع الذي هو شرط التكليف، فلا يتكرر الوسط فلا يلزم الإنتاج.و هذا قريب من أحد الوجوه التي ذكرها ابن هشام في المغني، حيث أجاب عن ذلك بثلاثة وجوه:" الأول": أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا، و لو أسمعهم إسماعا غير نافع لتولوا فاختلف الوسط" و الثاني": ما ذكره البيضاوي" و الثالث": لو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك، و أشار البيضاوي إليه أيضا، و في الأخيرين ما ترى، و سيأتي في باب: أنه لا يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام)، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن و أحكامه، و علم تغيير الزمان و حدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم، و لو أسمع من لم يسمع لولي معرضا كان لم يسمع" الخبر" و فيه تأييد لما ذكرنا أولا فتفطن." أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا" أم منقطعة على نحو ما سبق، مقتبسا مما ذكره الله في قصة بني إسرائيل أي بل قالوا سمعنا كلام الله و رسوله في تعيين الإمام و عصيناهما." بل هو فضل الله" أي الإماتة أو السماع و معرفة الإمام." عالم لا يجهل" أي شيئا من الأشياء التي تحتاج الأمة إليها" و راع" أي حافظ الْقُدْسِ وَ الطَّهَارَةِ وَ النُّسُكِ وَ الزَّهَادَةِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعِبَادَةِ مَخْصُوصٌ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ نَسْلِ الْمُطَهَّرَةِ الْبَتُولِ لَا مَغْمَزَ فِيهِ فِي نَسَبٍ وَ لَا يُدَانِيهِ ذُو حَسَبٍ فِي الْبَيْتِ مِنْ قُرَيْشٍللأمة، و في بعض النسخ بالدال" لا ينكل" من باب ضرب و نصر و علم أي لا يضعف و لا يجبن" معدن" بفتح الدال و كسرها" القدس" بالضم و بضمتين و هو البراءة من العيوب" و الطهارة" و هي البراءة من الذنوب." و النسك" أي العبادة و الطاعة أو أعمال الحج، قال في النهاية: النسيكة:الذبيحة و جمعها نسك، و النسك أيضا الطاعة و العبادة، و كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، و النسك ما أمرت به الشريعة و الورع ما نهت عنه، و الناسك: العابد، و سئل تغلب عن الناسك؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة و هي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفى نفسه لله تعالى، و في القاموس: النسك مثلثة، و بضمتين: العبادة، و كل حق لله عز و جل، و نسك الثوب أو

[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.