⟨عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَرِيشِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام)⟩
قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع بَيْنَا أَبِي (عليه السلام) يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا رَجُلٌ مُعْتَجِرٌ قَدْ قُيِّضَ لَهُ فَقَطَعَ عَلَيْهِ أُسْبُوعَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ إِلَى دَارٍ جَنْبَ الصَّفَا فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَكُنَّا ثَلَاثَةً فَقَالَ مَرْحَباً يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي وَ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا أَمِينَ اللَّهِ بَعْدَ آبَائِهِ يَا أَبَا جَعْفَرٍ إِنْ شِئْتَ فَأَخْبِرْنِي وَ إِنْ شِئْتَ فَأَخْبَرْتُكَ وَ إِنْ شِئْتَ سَلْنِي وَ إِنْ شِئْتَ سَأَلْتُكَ وَ إِنْ شِئْتَ فَاصْدُقْنِي وَ إِنْ شِئْتَ صَدَقْتُكَ قَالَ كُلَّ ذَلِكَ أَشَاءُ قَالَ فَإِيَّاكَ أَنْ يَنْطِقَ لِسَانُكَ عِنْدَ مَسْأَلَتِي بِأَمْرٍ تُضْمِرُ لِي غَيْرَهُ قَالَ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ عِلْمَانِالرجال أنه لم يكن لتضعيفه سبب إلا رواية هذه الأخبار العالية الغامضة التي لا يصل إليها عقول أكثر الخلق، و الكتاب كان مشهورا عند المحدثين و أحمد بن محمد روى هذا الكتاب مع أنه أخرج البرقي عن قم بسبب أنه كان يروي عن الضعفاء، فلو لم يكن هذا الكتاب معتبرا عنده لما تصدى لروايته و الشواهد على صحته عندي كثيرة." و الاعتجار" التنقب ببعض العمامة، و يقال: قيض الله فلانا لفلان أي جاء به و أتاحه له" فقطع عليه أسبوعه" أي طوافه" فقال مرحبا" أي لقيت رحبا و سعة، و قيل: أي رحب الله بك مرحبا، فجعل المرحب موضع الترحيب، و قيل: أتيت سعة" بارك الله فيك" أي زاد الله في علمك و كمالك.قوله (عليه السلام) " يا با جعفر" أي ثم التفت إلى أبي و قال يا أبا جعفر،: قوله:" بأمر تضمر لي غيره" أي لا تخبرني بشيء يكون في علمك شيء آخر يلزمك لأجله القول بخلاف ما أخبرت كما في أكثر علوم أهل الضلال، فإنه يلزمهم أشياء لا يقولون بها، أو المعنى أخبرني بعلم يقيني لا يكون عندك احتمال خلافه، فقوله:" علمان" أي احتمالان متناقضان أو أراد به لا تكتم عني شيئا من الأسرار، فقوله (عليه السلام):" إنما يفعل ذلك" أي في غير مقام التقية، و قيل: إشارة إلى بطلان طريقة أهل الاجتهاد، فإنهم يقولون ظن المجتهد يفضي به إلى علم، و ظنية الطريق لا ينافي علمية الحكم، فيضمرون في جميع يُخَالِفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَبَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ هَذِهِ مَسْأَلَتِي وَ قَدْ فَسَّرْتَ طَرَفاً مِنْهَا أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ مَنْ يَعْلَمُهُ قَالَ أَمَّا جُمْلَةُ الْعِلْمِ فَعِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ أَمَّا مَا لَا بُدَّ لِلْعِبَادِ مِنْهُ فَعِنْدَ الْأَوْصِيَاءِ قَالَ فَفَتَحَ الرَّجُلُ عَجِيرَتَهُ وَ اسْتَوَى جَالِساً وَ تَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَ قَالَ هَذِهِ أَرَدْتُ وَ لَهَا أَتَيْتُ زَعَمْتَ أَنَّ عِلْمَ مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ عِنْدَ الْأَوْصِيَاءِ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَهُ قَالَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَرَى لِأَنَّهُ كَانَ نَبِيّاً وَ هُمْ مُحَدَّثُونَ وَ أَنَّهُ كَانَ يَفِدُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيَسْمَعُ الْوَحْيَ وَ هُمْ لَا يَسْمَعُونَ فَقَالَ صَدَقْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ سَآتِيكَ بِمَسْأَلَةٍ صَعْبَةٍ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الْعِلْمِ مَا لَهُ لَا يَظْهَرُ كَمَا كَانَ يَظْهَرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ فَضَحِكَ أَبِي ع- وَ قَالَ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُطْلِعَ عَلَى عِلْمِهِ إِلَّا مُمْتَحَناً لِلْإِيمَانِأحكامهم الاجتهادية أنه إذا تعلق ظنهم بخلاف ما حكموا به رجعوا عن ذلك الحكم و حكموا بخلافه، و ادعوا العلم في كلتا الصورتين." ففتح الرجل عجيرته" أي اعتجاره أو طرف العمامة الذي اعتجر به، و التهلل الإضاءة و التلألؤ بالسرور" إن علم ما لا اختلاف فيه" مصدر مضاف إلى المفعول" من العلم" من إما للبيان و العلم بمعنى المعلوم، أو للتبعيض أي من جملة العلوم.قوله (عليه السلام):" كما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يعلمه" أي بعض علومهم كذلك، و إلا فجل علومهم كان عن النبي (صلى الله عليه و آله) أو يعلمون على هذا الوجه أيضا و إن كانوا سمعوا من النبي (صلى الله عليه و آله) و يقال: وفد إليه أي قدم و ورد" فضحك أبي" لعل ضحكه (عليه السلام) كان لهذا النوع من السؤال الذي ظاهره الامتحان تجاهلا مع علمه بأنه عارف بحاله، أو لعده المسألة صعبة و ليست عنده (عليه السلام) كذلك، و حاصل الجواب أن ظهور هذا العلم مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) دائما في محل المنع، فإنه كان في سنين من أول بعثته مكتتما إلا عن أهله، لخوف عدم قبول الخلق منه حتى أمر بإعلانه، و كذلك الأئمة بِهِ كَمَا قَضَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ وَ لَا يُجَاهِدَهُمْ إِلَّا بِأَمْرِهِ فَكَمْ مِنِ اكْتِتَامٍ قَدِ اكْتَتَمَ بِهِ حَتَّى قِيلَ لَهُ فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَوَ ايْمُ اللَّهِ أَنْ لَوْ صَدَعَ قَبْلَ ذَلِكَ لَكَانَ آمِناً وَ لَكِنَّهُ إِنَّمَا نَظَرَ فِي الطَّاعَةِ وَ خَافَ الْخِلَافَ فَلِذَلِكَ كَفَّ فَوَدِدْتُ أَنَّ عَيْنَكَ تَكُونُ مَعَ مَهْدِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ الْمَلَائِكَةُ بِسُيُوفِ آلِ دَاوُدَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ تُعَذِّبُ أَرْوَاحَ الْكَفَرَةِ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَ تُلْحِقُ بِهِمْ أَرْوَاحَ أَشْبَاهِهِمْ مِنَ الْأَحْيَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَ سَيْفاً ثُمَّ قَالَ هَا إِنَّ هَذَا مِنْهَا قَالَ فَقَالَ أَبِي إِي وَ الَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّداً عَلَى الْبَشَرِ قَالَ فَرَدَّ الرَّجُلُ اعْتِجَارَهُ وَ قَالَ أَنَا إِلْيَاسُ مَا سَأَلْتُكَ عَنْ أَمْرِكَ وَ بِي مِنْهُ جَهَالَةٌ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ قُوَّةً لِأَصْحَابِكَ وَ سَأُخْبِرُكَ بِآيَةٍ أَنْتَ تَعْرِفُهَا إِنْ خَاصَمُوا بِهَا فَلَجُوا-(عليهم السلام) يكتمون عمن لا يقبل منهم حتى يؤمروا بإعلانه في زمن القائم (عليه السلام) " فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ" أي تكلم به جهارا" وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" و لا تلتفت إلى ما يقولون من الاستهزاء و غيره" و أيم" مخفف أيمن جميع يمين، و هو مبتدأ محذوف الخبر أي أيمن الله يميني،" إنما نظر في الطاعة" أي طاعة الأمة أو طاعته" و خاف الخلاف" أي مخالفة الأمة.قوله: تعذب أرواح الكفرة، قيل: إشارة إلى الذين أحياهم في الرجعة" ثم أخرج" أي إلياس (عليه السلام) " سيفا ثم قال: ها" و هو حرف تنبيه، أو بمعنى خذ" إن هذا منها" أي من تلك السيوف الشاهرة في زمانه (عليه السلام)، لأن اليأس من أعوانه (عليهما السلام) و لعل رد الاعتجار لأنه مأمور بأن لا يراه أحد بعد المعرفة الظاهرة.و قوله:" قوة لأصحابك" أي بعد أن تخبرهم به أنت و أولادك المعصومون (عليهم السلام) " إن خاصموا بها" أي أصحابك أهل الخلاف" فلجوا" أي ظفروا و غلبوا...........ثم اعلم أن حاصل هذا الاستدلال هو أنه قد ثبت أن الله سبحانه أنزل القرآن في ليلة القدر على نبيه (صلى الله عليه و آله) و أنه كان ينزل الملائكة و الروح فيها من كل أمر ببيان و تأويل سنة فسنة، كما يدل عليه فعل المستقبل الدال على التجدد الاستمراري، فنقول: هل كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) طريق إلى العلم الذي يحتاج إليه الأمة سوى ما يأتيه من السماء من عند الله سبحانه إما ليلة القدر أو في غيرها أم لا، و الأول باطل لقوله تعالى:" ﴿إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ﴾" فثبت الثاني، ثم يقول: فهل يجوز أن لا يظهر هذا العلم الذي يحتاج إليه الأمة أم لا بد من ظهوره لهم، و الأول باطل لأنه إنما يوحى إليه ليبلغ إليهم و يهديهم الله عز و جل، فثبت الثاني ثم نقول: فهل لذلك العلم النازل من السماء من عند الله إلى الرسول اختلاف بأن يحكم في زمان بحكم ثم يحكم في ذلك الأمر بعينه في ذلك الزمان بعينه بحكم آخر أم لا؟ و الأول باطل لأن الحكم إنما هو من عند الله عز و جل، و هو متعالي عن ذلك كما قال تعالى:" وَ لَوْ ﴿كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً﴾" ثم نقول فمن حكم بحكم فيه اختلاف كالاجتهادات المتناقضة هل وافق رسول الله (صلى الله عليه و آله) في فعله ذلك أم خالفه، و الأول باطل لأنه (صلى الله عليه و آله) لم يكن في حكمه اختلاف، فثبت الثاني، ثم نقول: فمن لم يكن في حكمه اختلاف فهل له طريق إلى ذلك الحكم من غير جهة الله إما بغير واسطة أو بواسطة، و من دون أن يعلم تأويل المتشابه الذي يقع بسببه الاختلاف أم لا؟و الأول باطل فثبت الثاني ثم نقول: فهل يعلم تأويل المتشابه إلا الله و الراسخون في العلم الذين ليس في علمهم اختلاف أم لا؟ و الأول باطل لقوله تعالى:" وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" ثم نقول فرسول الله (صلى الله عليه و آله) الذي هو من الراسخين هل مات (صلى الله عليه و آله) و ذهب بعلمه ذلك و لم يبلغ طريق علمه بالمتشابه إلى خليفته أم بلغه؟ و الأول باطل، لأنه لو فعل ذلك قَالَ فَقَالَ لَهُ أَبِي إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِهَا قَالَ قَدْ شِئْتُ قَالَ إِنَّ شِيعَتَنَا إِنْ قَالُوا لِأَهْلِ الْخِلَافِ لَنَا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ لِرَسُولِهِ ص- ﴿إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾إِلَى آخِرِهَا فَهَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ شَيْئاً لَا يَعْلَمُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْ يَأْتِيهِ بِهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُمْ سَيَقُولُونَ لَا فَقُلْ لَهُمْ فَهَلْ كَانَ لِمَا عَلِمَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ فَيَقُولُونَ لَا فَقُلْ لَهُمْ فَهَلْ كَانَ فِيمَا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ اخْتِلَافٌ فَإِنْ قَالُوا لَا فَقُلْ لَهُمْ فَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَهَلْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَإِنْ قَالُوا لَا فَقَدْ نَقَضُوا أَوَّلَ كَلَامِهِمْفقد ضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده فثبت الثاني، ثم نقول: فهل خليفته من بعده كسائر آحاد الناس يجوز عليه الخطأ و الاختلاف في العلم أم هو مؤيد من عند الله بحكم رسول الله (صلى الله عليه و آله) بأن يأتيه الملك فيحدثه من غير وحي و رؤية أو ما يجري مجرى ذلك و هو مثله إلا في النبوة و الأول باطل لعدم إغنائه حينئذ لأن من يجوز عليه الاختلاف لا يؤمن عليه الاختلاف في الحكم، و يلزم التضييع من ذلك أيضا فثبت الثاني.فلا بد من خليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) راسخ في العلم عالم بتأويل المتشابه مؤيد من عند الله لا يجوز عليه الخطأ و لا الاختلاف في العلم، يكون حجة على العباد و هو المطلوب.هذا إن جعلنا الكل دليلا واحدا، و يحتمل أن يكون دلائل كما سنشير إليه و لعله أظهر.قوله (عليه السلام) " أو يأتيه" معطوف على" لا يعلمه" فينسحب عليه النفي، و المعنى:هل له علم من غير تينك الجهتين كما عرفت" فقد نقضوا أول كلامهم" حيث قالوا لا اختلاف فيما أظهر رسول الله (صلى الله عليه و آله) من علم الله فهذا يقتضي أن لا يكون في علم من لا يخالفه في العلم أيضا اختلاف.و بهذا يتم دليل على وجود الإمام، لأن من ليس في علمه اختلاف ليس إلا المعصوم المؤيد من عند الله تعالى. فَقُلْ لَهُمْ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِفَإِنْ قَالُوا مَنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَقُلْ مَنْ لَا يَخْتَلِفُ فِي عِلْمِهِ فَإِنْ قَالُوا فَمَنْ هُوَ ذَاكَ فَقُلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) صَاحِبَ ذَلِكَ فَهَلْ بَلَّغَ أَوْ لَا فَإِنْ قَالُوا قَدْ بَلَّغَ فَقُلْ فَهَلْ مَاتَ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُ عِلْماً لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَإِنْ قَالُوا لَا فَقُلْ إِنَّ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُؤَيَّدٌ وَ لَا يَسْتَخْلِفُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَّا مَنْ يَحْكُمُ بِحُكْمِهِ وَ إِلَّا مَنْ يَكُونُ مِثْلَهُ إِلَّا النُّبُوَّةَ- وَ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ يَسْتَخْلِفْ فِي عِلْمِهِ أَحَداً فَقَدْ ضَيَّعَ مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ مِمَّنْ يَكُونُ بَعْدَهُ فَإِنْ قَالُوا لَكَ فَإِنَّ عِلْمَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ فَقُلْ- حم.وَ الْكِتٰابِ ﴿الْمُبِينِ. إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا﴾إِلَى قَوْلِهِ- إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَفَإِنْ قَالُوا لَكَ لَا يُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا إِلَى نَبِيٍّ فَقُلْ هَذَا الْأَمْرُ الْحَكِيمُقوله:" فقل لهم ما يعلم تأويله" هذا إما دليل آخر سوى مناقضة كلامهم على أنهم خالفوا رسول الله أو على أصل المدعى، و هو إثبات الإمام. قوله (عليه السلام):" فقل من لا يختلف في علمه" لعله استدل عليه على ذلك بمدلول لفظة الرسوخ، فإنه بمعنى الثبوت، و المتزلزل في علمه المنتقل عنه إلى غيره ليس بثابت فيه.قوله (عليه السلام):" فإن قالوا لك إن علم رسول الله كان من القرآن" لعل هذا إيراد على الحجة و تقريره: أن علم رسول الله لعله كان من القرآن فقط و ليس مما يتجدد في ليلة القدر شيء؟ فأجاب (عليه السلام) بأن الله عز و جل يقول:" ﴿فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾" فهذه الآية تدل على تجدد الفرق و الإرسال في تلك الليلة المباركة بإنزال الملائكة و الروح فيها من السماء إلى الأرض دائما، و لا بد من وجود من يرسل إليه الأمر دائما.ثم قوله:" فإن قالوا لك" سؤال آخر تقريره: أنه يلزم مما ذكرتم جواز إرسال الملائكة إلى غير النبي مع أنه لا يجوز ذلك، فأجاب عنه بمدلول الآية التي الَّذِي يُفْرَقُ فِيهِ هُوَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ أَوْ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى أَرْضٍ فَإِنْ قَالُوا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ فَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ أَحَدٌ- يَرْجِعُ مِنْ طَاعَةٍ إِلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنْ قَالُوا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى أَرْضٍ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ أَحْوَجُ الْخَلْقِ إِلَى ذَلِكَ فَقُلْ فَهَلْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ سَيِّدٍ يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ فَإِنْ قَالُوا فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ هُوَ حَكَمُهُمْ فَقُلْ ﴿اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ﴾إِلَى قَوْلِهِ خٰالِدُونَلَعَمْرِي مَا فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ وَلِيٌّ لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ إِلَّا وَ هُوَ مُؤَيَّدٌ وَ مَنْ أُيِّدَ لَمْ يُخْطِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ عَدُوٌّ لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ إِلَّا وَ هُوَ مَخْذُولٌ وَ مَنْ خُذِلَ لَمْ يُصِبْ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ لَا بُدَّ مِنْ تَنْزِيلِهِ مِنَ السَّمَاءِ يَحْكُمُ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ كَذَلِكَ لَا بُدَّلا مرد لها، و قوله:" و أهل الأرض" جملة حالية.قوله:" فهل لهم بد" لعله مؤيد للدليل السابق بأنه كما أنه لا بد من مؤيد ينزل إليه في ليلة القدر فكذلك لا بد من سيد يتحاكم العباد إليه، فإن العقل يحكم بأن الفساد و النزاع بين الخلق لا يرتفع إلا به، فهذا مؤيد لنزول الملائكة و الروح على رجل ليعلم ما يفصل به بين العباد، و يحتمل أن يكون استئناف دليل آخر على وجود الإمام." فإن قالوا فإن الخليفة التي في كل عصر هو حكمهم" بالتحريك" فقل" إذا لم يكن الخليفة مؤبدا معصوما محفوظا من الخطإ فكيف يخرجه الله و يخرج به عباده من الظلمات إلى النور، و قد قال سبحانه:" اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا" الآية، و الحاصل أن من لم يكن عالما بجميع الأحكام و كان ممن يجوز عليه الخطأ فهو أيضا محتاج إلى خليفة آخر لرفع جهله، و النزاع الناشئ بينه و بين غيره.و أقول: يمكن أن يكون الاستدلال بالآية من جهة أنه تعالى نسب إخراج المؤمنين من ظلمات الجهل و الكفر إلى نور العلم إلى نفسه، فلا بد من أن يكون من يهديهم منصوبا من قبل الله تعالى مؤيدا من عنده، و المنصوب من قبل الناس طاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات." لعمري" بالفتح قسم بالحياة" إلا و هو مؤيد" لقوله:" يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ مِنْ وَالٍ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْرِفُ هَذَا فَقُلْ لَهُمْ قُولُوا مَا أَحْبَبْتُمْ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ يَتْرُكَ الْعِبَادَ وَ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِمْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ هَاهُنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بَابٌ غَامِضٌ أَ رَأَيْتَ إِنْ قَالُوا حُجَّةُ اللَّهِ الْقُرْآنُ
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور