⟨عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَرِيشِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام)⟩
قَالَ إِذَنْ أَقُولَ لَهُمْ إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِنَاطِقٍ يَأْمُرُ وَ يَنْهَى وَ لَكِنْ لِلْقُرْآنِ أَهْلٌ يَأْمُرُونَ وَ يَنْهَوْنَ وَ أَقُولَ قَدْ عَرَضَتْ لِبَعْضِ أَهْلِ الْأَرْضِ مُصِيبَةٌإِلَى النُّورِ" و لما قلنا: من أنه لو لم يكن كذلك لكان محتاجا إلى إمام آخر" كذلك لا بد من وال" أي من يلي الأمر و يتلقاه من الملائكة و الروح، و يدل الناس على الأمر الحكيم." فإن قالوا لا نعرف هذا" أي الوالي أو الاستدلال المذكور و نفى معرفتهم إياه نظير قوله تعالى:" ﴿قٰالُوا يٰا شُعَيْبُ مٰا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّٰا تَقُولُ﴾" و" قولوا ما أحببتم" نظير قوله تعالى:" اعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ" و قوله:" تَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ" و هذا الكلام متعارف بعد مكابرة الخصم" قال ثم وقف" أي ترك أبي الكلام" فقال" أي إلياس، و قيل: ضمير وقف أيضا لا ليأس، أي قام تعظيما و الأول أظهر." باب غامض" أي شبهة مشكلة استشكلها المخالفون لقول عمر عند إرادة النبي الوصية: حسبنا كتاب الله، و قيل: الغامض بمعنى السائر المشهور من قولهم: غمض في الأرض إذا ذهب و سار." إن القرآن ليس بناطق" أي ليس القرآن بحيث يفهم منه الأحكام كل من نظر فيه، فإن كثيرا من الأحكام ليست في ظاهر القرآن، و ما فيه أيضا تختلف فيه الأمة و كل منهم يستدل بالقرآن على مذهبه، فظهر أن القرآن إنما يفهمه الإمام، و هو دليل له على معرفة الأحكام، و المراد أن القرآن لا يكفي بسياسة الأمة و إن سلم أنهم يفهمون معانيه، بل لا بد من آمر و ناه و زاجر يدعوهم إلى العمل بالقرآن، و يحملهم عليه، و يكون هو معصوما عاملا بجميع ما أمر به فيه منزجرا عن كل ما نهى عنه فيه.فقوله:" و أقول قد عرضت" مشيرا إلى ما ذكرنا أولا دليل آخر" و الحكم مَا هِيَ فِي السُّنَّةِ وَ الْحُكْمِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ- وَ لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ أَبَى اللَّهُ لِعِلْمِهِ بِتِلْكَ الْفِتْنَةِ أَنْ تَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ وَ لَيْسَ فِي حُكْمِهِ رَادٌّ لَهَا وَ مُفَرِّجٌ عَنْ أَهْلِهَا فَقَالَ هَاهُنَا تَفْلُجُونَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ عَلِمَ بِمَا يُصِيبُ الْخَلْقَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي أَنْفُسِهِمْالذي ليس فيه اختلاف" أي الضروريات أو السنة المتواترة أو ما أجمعت عليه الأمة" و ليست في القرآن" أي في ظاهر القرآن و ما يفهمه منه علماء الأمة إذ جميع الأحكام في القرآن، و لكن لا يمكن استنباطه إلا للإمام" أن تظهر" أي الفتنة و هو مفعول" أبى" و قوله:" و ليس في حكمه" جملة حالية و الضمير في حكمه راجع إلى الله" في الأرض" أي في غير أنفسهم كالمال" أو في أنفسهم" كالدين أو القصاص، إشارة إلى قوله تعالى:" ﴿مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ وَ لٰا ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ﴾ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ".قال البيضاوي: في الأرض كجدب و عاهة" وَ لٰا فِي أَنْفُسِكُمْ" كمرض و آفة" إِلّٰا فِي كِتٰابٍ" أي إلا مكتوبة في اللوح، مثبتة في علم الله" مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا" أي نخلقها، و الضمير للمصيبة أو للأرض أو للأنفس" إِنَّ ذٰلِكَ" أي إن ثبته في كتاب" عَلَى اللّٰهِ يَسِيرٌ" لاستغنائه فيه عن العدة و المدة" لِكَيْلٰا تَأْسَوْا" أي أثبت و كتب" لئلا تحزنوا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ" من نعم الدنيا" وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ" بما أعطاكم الله منها، فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر.و لعل حاصل كلامه (عليه السلام) أنه كثيرا ما يعرض للناس شبهة في أمر من أمور الدين مما يتعلق بأنفسهم و أموالهم، و ليس في ظاهر الكتاب و السنة ما يزيل تلك الشبهة، و هذه مصيبة عرضت لهم، و لا بد أن تكون تلك المصيبة في علمه سبحانه قبل وقوعها، لأن المصيبة الواقعة في الآية نكرة في سياق النفي يفيد العموم، و المصيبة أعم من أن تكون مِنَ الدِّينِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَضَعَ الْقُرْآنَ دَلِيلًا- قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ دَلِيلَ مَا هُوَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) نَعَمْ فِيهِ جُمَلُ الْحُدُودِ وَ تَفْسِيرُهَا عِنْدَ الْحُكْمِ فَقَالَ أَبَى اللَّهُ أَنْ يُصِيبَ عَبْداً بِمُصِيبَةٍ فِي دِينِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ لَيْسَ فِي أَرْضِهِ مِنْ حُكْمِهِ قَاضٍ بِالصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْمُصِيبَةِ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ فَلَجْتَهُمْ بِحُجَّةٍ إِلَّا أَنْ يَفْتَرِيَ خَصْمُكُمْ عَلَى اللَّهِ فَيَقُولَ لَيْسَ لِلَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ حُجَّةٌ وَ لَكِنْأَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ- لِكَيْلٰافي أمور الدين أو الدنيا، فلا يختص بالبلايا و الأمراض و الآفات، بل يعم المصائب الدينية و ما أشكل عليهم من الأحكام، و إليه أشار (عليه السلام) بقوله:" من الدين أو غيره" و إذا ثبت علمه تعالى بعروض تلك الشبهة لهم فلا بد في حكمته و لطفه أن يرفع تلك الشبهة عنهم إما بصريح الكتاب و السنة أو بإمام يزيح علتهم و يكون عالما بحكم جميع ما يعرض لهم، و الأولان مفقودان فتعين الثالث." فوضع القرآن دليلا" أي للإمام فإنه يمكنه أن يستنبط منه تفاصيل الأحكام، أو لسائر الخلق إلى جمل الأحكام و لا بد في علمهم بتفاصيلها من الرجوع إلى الإمام، و يمكن أن يكون (عليه السلام) فسر الكتاب في الآية بالقرآن، و أفاد أنه لا يعلم ذلك من القرآن إلا الإمام، فثبت الاحتياج إليه، و الأول أظهر.قوله:" من حكم" بالتحريك و في أكثر النسخ من حكمه، فربما يقرأ بالفتح اسم موصول فحكمه مبتدأ و قاض خبره، و الجملة صلة للموصول، و المجموع اسم ليس، و نسبة القضاء إلى الحكم على المبالغة نحو جد جده، أو بالكسر فيكون صلة للخروج الذي يتضمنه معنى القضاء في قاض، أي قاض خارج من حكمه بالصواب، و المراد بالفلج بالحجة أما إتمام الحجة فالاستثناء منقطع، أو إلزام المخالفين و إسكاتهم فالاستثناء متصل" إلا أن يفتري خصمكم على الله" أي يكابر و يعاند بعد إتمام الحجة" و يقول ليس لله جل ذكره حجة" أي إمام ليعيد مدعاه بعد إتمام الحجة على نقيضه، أو ينكر وجوب اللطف على الله و اشتراط التكليف بالعلم. تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْمِمَّا خُصَّ بِهِ عَلِيٌّ ع- وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْقَالَ فِي أَبِي فُلَانٍقوله:" مما خص علي (عليه السلام) به، هذا من كلام أبي جعفر (عليه السلام)، ففي الكلام حذف يعني قال: مما خص علي به، يعني الخلافة و الإمامة، و كأنه سقط من النساخ، و يحتمل أن يكون من كلام إلياس (عليه السلام).قوله: قال في أبي فلان و أصحابه، أقول: هذا الكلام يحتمل وجوها من التأويل:الأول: ما خطر ببالي القاصر و هو أن الآية نزلت في أبي بكر و أصحابه يعني عمر و عثمان. و الخطاب معهم، فقوله:" ﴿لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ﴾" أي لا تحزنوا على ما لكم من النص و التعيين للخلافة و الإمامة، و خص علي (عليه السلام) به حيث نص الرسول (صلى الله عليه و آله) بالخلافة عليه و حرمكم عنها" وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ" من الخلافة الظاهرية بعد الرسول (صلى الله عليه و آله) أي خلاكم و إرادتكم و لم يجبركم على تركها، و مكنكم من غصبها من مستحقها" واحدة مقدمة" أي قوله: لا تأسوا، إشارة إلى قضية متقدمة و هي النص بالخلافة في حياة الرسول (صلى الله عليه و آله) " و واحدة مؤخرة" أي قوله: و لا تفرحوا، إشارة إلى واقعة مؤخرة و هي غصب الخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه و آله)، و لا يخفى شدة انطباق هذا التأويل على الآية فإنه يصير حاصلها هكذا: ما تحدث مصيبة و قضية في الأرض و في أنفسكم إلا و قد كتبناها و الحكم المتعلق بها ﴿في كتاب من قبل أن﴾ تخلق المصيبة أو الأنفس ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ من الخلافة و تعلموا أن الخلافة لا يستحقها إلا من تنزل عليه الملائكة و الروح بالوقائع و الأحكام المكتوبة في ذلك الكتاب، و لا تفرحوا بما يتيسر لكم من الخلافة و تعلموا أنكم لا تستحقونه و أنه غصب، و سيصيبكم وباله، فظهر أن ما ذكره الباقر (عليه السلام) قبل ذلك السؤال أيضا كان إشارة إلى تأويل صدر تلك الآية، فلذا سئل إلياس (عليه السلام) عن تتمة الآية، و يحتمل وجها آخر مع قطع النظر عما أشار إليه أو لا بأنا قدرنا المصائب الواردة على الأنفس قبل خلقها، و قدرنا الثواب على من وقعت عليه و العقاب على من تسبب لها، ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ و تعلموا أنها لم تكن مقدرة لكم فلذا لم يعطكم الرسول (صلى الله عليه و آله) " وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ" للعقاب..........المترتب عليه.الثاني: ما أفاده والدي العلامة (قدس الله روحه) و هو أن السؤال عن هذه الآية لبيان أنه لا يعلم علم القرآن غير الحكم إذ كل من يسمع تلك الآية يتبادر إلى ذهنه أن الخطابين لواحد، لاجتماعهما في محل واحد، و الحال أن الخطاب في قوله لكيلا تأسوا، لعلي (عليه السلام) لما فاته من الخلافة، و في قوله: و لا تفرحوا، لأبي بكر و أصحابه لما غصبوا الخلافة فقوله:" واحدة مقدمة و واحدة مؤخرة" لبيان اتصالهما و انتظامهما في آية واحدة، فلذا قال الرجل: أشهد أنكم أصحاب الحكم الذي لا اختلاف فيه، حيث تعلمون بطون الآيات و تأويلاتها و إسرارها و موارد نزولها.الثالث: ما ذكره الفاضل الأسترآبادي حيث قال: لا تأسوا، خطاب مع أهل البيت (عليهم السلام)، و لا تحزنوا على مصيبتكم للذي فات عنكم، و لا تفرحوا خطاب مع المخالفين، أي لا تفرحوا بالخلافة التي أعطاكم الله إياها بسبب سوء اختياركم، و إحدى الآيتين مقدمة و الأخرى مؤخرة فاجتمعتا في مكان واحد في تأليف عثمان.الرابع: ما قيل أن قوله: لكيلا تأسوا، خطاب للشيعة حيث فاتهم خلافة علي (عليه السلام)، و لا تفرحوا بما آتاكم، خطاب لمخالفيهم حيث أصابتهم الخلافة المغصوبة و إحدى القضيتين مقدمة على الأخرى.الخامس: ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: من في" مما" للتبعيض، و الظرف حال تفسير و ما عبارة عن التفسير الذي خص رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) به، و لا تفرحوا بما آتاكم بتقدير: و عن تفسير لا تفرحوا بما آتاكم، و المقصود السؤال عن تفسيرهما الذي خص رسول الله عليا (عليه السلام) به، قال: في أبي فلان أي في أبي بكر، و هذا تفسير الكلمة الثانية و هي و لا تفرحوا بما آتاكم، قدمه للاهتمام به و هو مبني على أن المخاطبين بالثانية غير المخاطبين بالأولى، نظير" يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هٰذٰا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ" و على أنه أهل دولة الباطل إن علموا أن أهل الحق لا يأسون على ما فاتهم وَ أَصْحَابِهِ وَاحِدَةٌ مُقَدِّمَةٌ وَ وَاحِدَةٌ مُؤَخِّرَةٌ- ﴿لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ﴾مِمَّا خُصَّ بِهِ عَلِيٌّ ع- وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْمِنَ الْفِتْنَةِ الَّتِي عَرَضَتْ لَكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص- فَقَالَ الرَّجُلُ أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَصْحَابُ الْحُكْمِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ وَ ذَهَبَ فَلَمْ أَرَهُ[الحديث 2]2 عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ بَيْنَا أَبِي جَالِسٌ وَ عِنْدَهُ نَفَرٌ إِذَا اسْتَضْحَكَ حَتَّى اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ دُمُوعاً ثُمَّ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا أَضْحَكَنِي قَالَ فَقَالُوا لَا قَالَ زَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مِنَ ﴿الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا﴾فَقُلْتُ لَهُ هَلْ رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍلعلمهم بكل مصيبة قبل وقوعه و كرامتهم عند الله تكدرت عليهم دولتهم و ما آتاهم، و كثرت آلامهم في أنفسهم، و تأنيث" واحدة" باعتبار الكلمة أو الفقرة" مقدمة" بشد المهملة المكسورة وصف الأولى بأنها لإعزاز المخالفين بها" مؤخرة" بشد المعجمة المكسورة وصف للثانية بأنها لإذلال المخاطبين فيها" ﴿لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ﴾" مبتدأ خبره" مما خص به علي (عليه السلام) " و الجملة استيناف بياني، و المراد أنه مما نزل في علي (عليه السلام) و أوصيائه، و هذا تفسير للكلمة الأولى، و تغيير الأسلوب في" وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ" من الفتنة إلى آخره لأن كونها مما خص به أبو بكر و أصحابه معلوم مما مر، و لا يحسن إعادته، فمن في قوله" من الفتنة" لبيان" ما آتاكم" و المراد بالفتنة الامتحان بدولة الدنيا كما في قوله تعالى:" اتَّقُوا ﴿فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾" و لا يخفى بعد تلك الوجوه و ظهور ما ذكرنا أو لا على المتدبر.الحديث الثاني: سنده كما تقدم.و الاستضحاك كأنه مبالغة في الضحك و في القاموس: اغرورقت عيناه، أي دمعتا كأنهما غرقا في دمعهما" انتهى".و" دموعا" تميز و قيل: هو مصدر دمعت عينه كمنع إذا ظهر منه الدمع، و هو مفعول له أو جمع دمع بالفتح و هو ماء العين، فهو بتقدير" من" مثل: الحوض ملآن ماء، أو هو مفعول فيه." هل رأيت الملائكة" إشارة إلى تتمة الآية، إذ هي هكذا:" إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا تُخْبِرُكَ بِوَلَايَتِهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْحُزْنِ قَالَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌوَ قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا جَمِيعُ الْأُمَّةِ فَاسْتَضْحَكْتُ ثُمَّ قُلْتُ صَدَقْتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ اخْتِلَافٌ قَالَ فَقَالَ لَا فَقُلْتُ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا أَصَابِعَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى سَقَطَتْ ثُمَّ ذَهَبَ وَ أَتَى رَجُلٌ آخَرُ فَأَطَارَ كَفَّهُ فَأُتِيَ بِهِ إِلَيْكَ وَ أَنْتَ قَاضٍ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ قَالَ أَقُولُ لِهَذَا الْقَاطِعِ أَعْطِهِ دِيَةَ كَفِّهِ وَ أَقُولُ لِهَذَا الْمَقْطُوعِ صَالِحْهُ عَلَى مَا شِئْتَ وَ أَبْعَثُ بِهِ إِلَى ذَوَيْ عَدْلٍ قُلْتُ جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ نَقَضْتَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ﴿رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ أَلّٰا تَخٰافُوا﴾ وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" فيظهر منه أنه (عليه السلام) فسر الآية بأن هذا الخطاب من الملائكة يكون في الدنيا بحيث يسمعون كلامهم، و ذهب جماعة إلى أن الخطاب في الدنيا و هم لا يسمعون، أو عند الموت و هم يسمعون و ما ذكره (عليه السلام) ألصق بالآية فالمراد بالاستقامة الاستقامة على الحق في جميع الأقوال و الأفعال، و هو ملزوم العصمة.قوله (عليه السلام):" صدقت" أي في قولك" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" لكن لا ينفعك إذ الأخوة لا يستلزم الاشتراك في جميع الكمالات، أو قال ذلك على سبيل المماشاة و التسليم، أو على سبيل التهكم، و ضحكه (عليه السلام) لوهن كلامه و عدم استقامته.قوله" و ابعث به إلى ذوي عدل" أقول: سيأتي هذا الجزء من الخبر في كتاب الديات، و فيه" أو ابعث إليها ذوي عدل" و لعل البعث للأرش كما قال به ابن إدريس و بعض أصحابنا حيث رد و الخبر بالضعف و قالوا بثبوت الأرش، بأن يفرض كونه عبدا مقطوع الأصابع، ثم عبدا مقطوع اليد و ينسب التفاوت إلى دية الحر، فحكمه أولا على القاطع بإعطاء تمام الدية على الاحتياط من طرف الجاني، أو البعث لتقويم الأصابع ليسقط من دية اليد، فيكون قولا آخر لم يقل به أحد، و الاختلاف إما بين أَبَى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي خَلْقِهِ شَيْئاً مِنَ الْحُدُودِ وَ لَيْسَ تَفْسِيرُهُ فِي الْأَرْضِ اقْطَعْ قَاطِعَ الْكَفِّ أَصْلًا ثُمَّ أَعْطِهِ دِيَةَ الْأَصَابِعِ هَكَذَا حُكْمُ اللَّهِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا أَمْرُهُ إِنْ جَحَدْتَهَا بَعْدَ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَأَدْخَلَكَ اللَّهُ النَّارَ كَمَا أَعْمَى بَصَرَكَ يَوْمَ جَحَدْتَهَا عَلَى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فَلِذَلِكَ عَمِيَ بَصَرِي قَالَ وَ مَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ فَوَ اللَّهِ إِنْ عَمِيَ بَصَرِي إِلَّا مِنْ صَفْقَةِ جَنَاحِ الْمَلَكِ قَالَ فَاسْتَضْحَكْتُ ثُمَّ تَرَكْتُهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ لِسَخَافَةِ عَقْلِهِ ثُمَّ لَقِيتُهُ فَقُلْتُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا تَكَلَّمْتَ بِصِدْقٍ مِثْلِ أَمْسِ قَالَ لَكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَ إِنَّهُ يَنْزِلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَمْرُ السَّنَةِ وَ إِنَّ لِذَلِكَ الْأَمْرِ وُلَاةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقُلْتَ مَنْ هُمْ فَقَالَ أَنَا وَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ صُلْبِي أَئِمَّةٌ مُحَدَّثُونَ فَقُلْتَ لَا أَرَاهَا كَانَتْ إِلَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَبَدَّى لَكَ الْمَلَكُتقويم قوله" صالحه" و بين قوله" و ابعث" أو بينهما و بين قوله" أعطه دية كفه" أو لاختلاف المقومين فلا يبتني عليه حكم الله، و فيه نظر، أو المراد بالاختلاف الحكم بالظن الذي يزول بظن آخر كما عرفت
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور