⟨عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَرِيشِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام)⟩
سابقا.قوله (عليه السلام): اقطع قاطع الكف، عمل به أكثر أصحابنا و إن ضعف الخبر عندهم، قوله:" فلذلك عمي بصري" الظاهر أن هذا تصديق و اعتراف منه بذلك كما يدل ما سيأتي لا استفهام إنكار كما يتراءى من ظاهره، ثم بعد اعترافه قال له (عليه السلام): و ما علمك بذلك؟ و قوله:" فو الله" من كلام الباقر (عليه السلام) و" إن" نافية و قائل" فاستضحكت" أيضا الباقر (عليه السلام)، و قوله:" ما تكلمت بصدق" إشارة إلى اعترافه، ثم لما استبعد ابن عباس في اليوم السابق علمه (عليه السلام) بتلك الواقعة ذكر (عليه السلام) تفصيلها بقوله:" قال لك" إلخ، ليظهر لابن عباس علمه بتفاصيل تلك الواقعة.قوله: فتبدأ لك الملك، لعله بإعجاز علي (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون المراد ظهور كلام الملك له، و قال الملك رأت عيناي ما حدثك به علي (عليه السلام) من نزول الملائكة لأني كنت من جملة الملائكة النازلين عليه، و لم تره عينا علي (عليه السلام) لأنه محدث الَّذِي يُحَدِّثُهُ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ رَأَتْ عَيْنَايَ الَّذِي حَدَّثَكَ بِهِ عَلِيٌّ وَ لَمْ تَرَهُ عَيْنَاهُ وَ لَكِنْ وَعَى قَلْبُهُ وَ وَقَرَ فِي سَمْعِهِ ثُمَّ صَفَقَكَ بِجَنَاحِهِ فَعَمِيتَ قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا اخْتَلَفْنَا فِي شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ فَهَلْ حَكَمَ اللَّهُ فِي حُكْمٍ مِنْ حُكْمِهِ بِأَمْرَيْنِ قَالَ لَا فَقُلْتُ هَاهُنَا هَلَكْتَ وَ أَهْلَكْتَو لا يرى الملك عند إلقاء الحكم" و وقر في سمعه" كوعد أي سكن و ثبت" ثم صفقك" أي الملك و هو كلام الباقر (عليه السلام)، و الصفقة: الضربة يسمع لها صوت.قوله: ما اختلفنا، لعل غرضه أن الله يعلم المحق منا و المبطل، تعريضا بأنه محق، أو غرضه الرجوع إلى القرآن في الأحكام، و أنه لا يلزم أن يكون في الأمة من يعلم المختلف فيه، فأجاب (عليه السلام) بأن القرآن لا يرفع الاختلاف، و بعبارة أخرى إذا كان الحكم مردودا إلى الله و ليس عند الله في الواقع إلا حكم واحد، فكيف تحكمون تارة بأمره و تارة بضده، و هل هذا إلا مخالفة لله في أحد الحكمين التي هي سبب الهلاك و الإهلاك.ثم اعلم أن هذه المناظرة بين أبي جعفر (عليه السلام) و ابن عباس لا بد أن يكون في صغره (عليه السلام) و في حياة أبيه (عليه السلام) إذ ولادة أبي جعفر (عليه السلام) كانت سنة سبع و خمسين، و وفاة ابن عباس سنة ثمان و ستين، و وفاة علي بن الحسين (عليهما السلام) سنة خمس و تسعين.ثم إنه لا خلاف بين الإمامية في أن ليلة القدر و فضلها باقية بعد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى انقراض الدنيا، و في كل منها يكون تنزل الملائكة و الروح، و إليه ذهب أكثر العامة، قال المازري: أجمع من يعتد به على وجودها و دوامها إلى آخر الدهر لتظافر الأحاديث و كثرة رؤية الصالحين لها، و قال عياض: و شذ قوم فقالوا كانت خاصة بهم فرفعت." انتهى" [الحديث 3]3 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- ﴿فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾يَقُولُ يَنْزِلُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَ الْمُحْكَمُ لَيْسَ بِشَيْئَيْنِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَمَنْ حَكَمَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَحُكْمُهُ مِنْ حُكْمِالحديث الثالث: السند كما مر.و قيل: المستفاد من هذا الحديث أن معنى إنزال القرآن في ليلة القدر إنزال بيانه بتفصيل مجمله و تأويل متشابهه و تقييد مطلقة و تفريق محكمه عن متشابهه، و بالجملة تتميم إنزاله بحيث يكون هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان كما قال سبحانه:" ﴿شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾" يعني في ليلة القدر منه" هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ" تنبيه لقوله عز و جل:" ﴿إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾" أي محكم" ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنٰا إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَ﴾" فقوله:" فِيهٰا يُفْرَقُ" و قوله" و الفرقان" معناهما واحد.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور