⟨و روي في معاني الأخبار بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أن القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به، و قد⟩
في تأويل الآيات" كما استخلفت" و هو أظهر." بإيمان لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) " و في تأويل الآيات: أن لا نبي، يعني أن نفي الشرك عبارة عن أن لا يعتقد النبوة في الخليفة الظاهر الغالب أمره" و من قال غير ذلك" هذا تفسير لقوله تعالى:" وَ مَنْ ﴿كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ﴾" يعني من كفر بهذا الوعد بأن قال مثل هذا الخليفة لا يكون إلا نبيا و لا نبي بعد محمد فهذا الوعد غير صادق أو كفر بهذا الوعد بأن قال إذا ظهر أمره هذا نبي أو قال ليس بخليفة لاعتقاده الملازمة بين الأمرين، فقوله (عليه السلام):" غير ذلك" إشارة إلى الأمرين، و السر في هذا التفسير أن العامة لا يعتقدون مرتبة متوسطة بين مرتبة النبوة و مرتبة آحاد أهل الإيمان من الرعية في العلم اللدني بالأحكام، و لهذا ينكرون إمامة أئمتنا زعما منهم أنهم كسائر آحاد الناس، فإذا سمعوا منهم من غرائب العلم أمرا زعموا أنهم (عليهم السلام) يدعون النبوة لأنفسهم، و لذا قال هشام بن عبد الملك مشيرا إلى الباقر (عليه السلام) هذا نبي أهل الكوفة." فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد (صلى الله عليه و آله) بالعلم" أي مكنهم في الخلافة أو في الدين بما أعطاهم من العلم الكامل لا ببسط اليد، فإنه مختص ببعضهم، أو الباء بمعنى في، عِلْمُنَا فَظَاهِرٌ وَ أَمَّا إِبَّانُ أَجَلِنَا الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الدِّينُ مِنَّا حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ اخْتِلَافٌ فَإِنَّ لَهُ أَجَلًا مِنْ مَمَرِّ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ إِذَا أَتَى ظَهَرَ وَ كَانَ الْأَمْرُ وَاحِداً وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ اخْتِلَافٌ وَ لِذَلِكَ جَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ لِيَشْهَدَ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَيْنَا وَ لِنَشْهَدَ عَلَى شِيعَتِنَا وَ لِتَشْهَدَ شِيعَتُنَا عَلَىأو ضمن التمكين معنى التوكيل، و في بعض النسخ" فقد مكن و وكل" و لعله من إضافة الناسخ، و الظاهر أنه إشارة إلى قوله تعالى:" وَ لَيُمَكِّنَنَّ ﴿لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ﴾" و فسر تمكين الدين لهم بتمكينهم في الدين بوفور العلم، و هذا عام يشمل جميعهم، و قوله:" وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ" إشارة إلى غلبتهم في زمان القائم (عليه السلام)، و لذا قال:" أما علمنا فظاهر" أي في كل زمان و من كل أحد منا." و أما أبان أجلنا" إشارة إلى تبديل الخوف بالأمن" و كان الأمر" أي الدين واحدا لا اختلاف فيه.قوله (عليه السلام) " و لذلك" أي لعدم الاختلاف" جعلهم شهداء" لأن شهادة بعضهم على بعض بالحقية لا تكون إلا مع التوافق و كذا على غيرهم لا تتأتى إلا مع ذلك، إذ الاختلاف في الشهادة موجب لرد الحكم، و يحتمل أن يكون المراد بالمؤمنين الأئمة (عليهم السلام) أي حكم الله حكما حتما أن لا يكون بين أئمة المؤمنين اختلاف، و أن يكونوا مؤيدين من عنده تعالى، و لكونهم كذلك جعلهم الشهداء على الناس، و الظاهر أن قوله" أن لا يكون" بيان للأمر و قيل: المراد بالأمر الذي ينزل في ليلة القدر" و أن لا يكون" مفعول له أي لأن لا يكون.و" جعلهم شهداء" إشارة إلى قوله تعالى:" ﴿يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ جٰاهِدُوا ﴿فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اجْتَبٰاكُمْ﴾ وَ مٰا ﴿جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَ فِي ﴿هٰذٰا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ وَ تَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ" فإن جعلنا الخطاب النَّاسِ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِهِ اخْتِلَافٌ أَوْ بَيْنَ أَهْلِ عِلْمِهِ تَنَاقُضٌ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَضْلُ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِ بِجُمْلَةِ- إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ وَ بِتَفْسِيرِهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْإِيمَانِ بِهَا كَفَضْلِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْبَهَائِمِ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ بِهَا عَنِ الْجَاحِدِينَ لَهَا فِي الدُّنْيَا لِكَمَالِ عَذَابِ الْآخِرَةِ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتُوبُ مِنْهُمْ مَا يَدْفَعُ بِالْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْقَاعِدِينَ وَ لَا أَعْلَمُ أَنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ جِهَاداً إِلَّا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ وَ الْجِوَارَمتوجها إلى جميع المؤمنين فيكون شهادتهم (عليهم السلام) داخلة في شهادة الرسول، و يكون شهادتهم على الناس إشارة إلى الشهادتين الأخيرتين معا، و إن جعلناه متوجها إلى الأئمة فذكر شهادة الشيعة استطرادي أو شهادة الشيعة بمنزلة شهادتهم و داخلة فيها.قوله (عليه السلام):" فضل إيمان المؤمن" أي فضل المؤمن من حيث الإيمان، أو يقدر مضاف في قوله" على من ليس مثله" أي على إيمان من ليس مثله" لكمال عذاب الآخرة" أي إنما يدفع عنهم في الدنيا ليكمل لهم العذاب في الآخرة." لمن علم" أي كون الدفع لكمال عذاب الآخرة و شدته إنما هو لمن علم أنه لا يتوب، و أما من علم أنه يتوب فإنما يدفع لعلمه بأنه يتوب.و لما ذكر الجهاد هنا و في الآية المشار إليها سابقا، و كان مظنة أن يفهم السائل وجوب الجهاد في زمانه (عليه السلام) مع عدم تحقق شرائطه مع المخالفين، أو مع من يخرج من الجاهلين أزال (عليه السلام) ذلك التوهم بقوله:" و لا أعلم" أي هذه الأعمال قائمة مقام الجهاد لمن لم يتمكن عنه، أو قوله تعالى:" جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ" شاملة لهذه الأمور أيضا، و المراد بالجوار المحافظة على الذمة و الأمان، أو رعاية حق المجاورين في المنزل، أو مطلق المجاورين و المعاشرين و التقية منهم و حسن المعاشرة معهم و الصبر على أذاهم، و قيل: كأنه (عليه السلام) شبه العبادات الثلاث بالجهاد لما فيها من جهاد النفس على مشاقها، و لا سيما ما يتحمل من أذى الأعداء الجاهلين للحق، و قيل: المراد بالجوار مجاورة العلماء و كسب التفقه في الدين و لا يخفى بعده. [الحديث 8]8 قَالَ وَ قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَغْضَبُ عَلَيَّ قَالَ لِمَا ذَا قَالَ لِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ قَالَ قُلْ قَالَ وَ لَا تَغْضَبُ قَالَ وَ لَا أَغْضَبُ قَالَ أَ رَأَيْتَ قَوْلَكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ تَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ فِيهَا إِلَى الْأَوْصِيَاءِ يَأْتُونَهُمْ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَدْ عَلِمَهُ أَوْ يَأْتُونَهُمْ بِأَمْرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَعْلَمُهُ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَاتَ وَ لَيْسَ مِنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ إِلَّا وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَهُ وَاعٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) مَا لِي وَ لَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَ مَنْ أَدْخَلَكَ عَلَيَّ قَالَ أَدْخَلَنِي عَلَيْكَ الْقَضَاءُ لِطَلَبِ الدِّينِ قَالَ فَافْهَمْ مَا أَقُولُ لَكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ لَمْ يَهْبِطْ حَتَّى أَعْلَمَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عِلْمَ مَا قَدْ كَانَ وَ مَا سَيَكُونُ وَ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِهِ ذَلِكَ جُمَلًا يَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ كَذَلِكَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَدْ عَلِمَ جُمَلَ الْعِلْمِ وَ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي لَيَالِي الْقَدْرِ كَمَا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ السَّائِلُ أَ وَ مَا كَانَ فِي الْجُمَلِ تَفْسِيرٌ قَالَ بَلَى وَ لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَأْتِي بِالْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي لَيَالِي الْقَدْرِ إِلَى النَّبِيِّ وَ إِلَى الْأَوْصِيَاءِ افْعَلْ كَذَا وَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ كَانُوا عَلِمُوهُ أُمِرُوا كَيْفَ يَعْمَلُونَ فِيهِ قُلْتُ فَسِّرْ لِي هَذَا قَالَ لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَّا حَافِظاً لِجُمْلَةِ الْعِلْمِ وَ تَفْسِيرِهِ قُلْتُ فَالَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ فِي لَيَالِيالحديث الثامن السند مشترك." و تنزل الملائكة" بصيغة المصدر، مجرور عطف على" ليلة القدر" يعني ما قولك في شأن ليلة القدر و في الملائكة و الروح فيها" و قد علمت" بصيغة المتكلم أو الخطاب." ما لي و لك" ليس هذا على وجه الغضب حتى ينافي وعده، بل على سبيل المصلحة و التأديب، و بيان أن المسألة غامضة لا يفي عقله بفهمها و لذا كرر السائل السؤال، و تقرير شبهته أن الجملة إن كانت مشتملة على كل ما اشتمل عليه التفسير فما الذي يأتيهم في ليلة القدر من العلم؟ و إن لم تكن مشتملة على الجميع و كان يبقى من العلم ما لم يأتهم بعد، و إنما يأتيهم في ليالي القدر، فيلزم أن لا يعلم الرسول (صلى الله عليه و آله) ذلك الباقي. الْقَدْرِ عِلْمُ مَا هُوَ قَالَ الْأَمْرُ وَ الْيُسْرُ فِيمَا كَانَ قَدْ عَلِمَ قَالَ السَّائِلُ فَمَا يَحْدُثُ لَهُمْ فِي لَيَالِي الْقَدْرِ عِلْمٌ سِوَى مَا عَلِمُوا قَالَ هَذَا مِمَّا أُمِرُوا بِكِتْمَانِهِ وَ لَا يَعْلَمُ تَفْسِيرَقوله (عليه السلام) " الأمر و اليسر" لعل المراد أنه كان يعلم العلوم على الوجه الكلي الذي يمكنه استنباط الجزئيات منه، و إنما يأتيه تفصيل أفراد تلك الكليات لمزيد التوضيح و لتسهيل الأمر عليه في استعلام الجزئيات.ثم ذكر (عليه السلام) بعد ذلك فائدة أخرى لنزول الملائكة في ليلة القدر، و هي أن إخبار ما يلزمهم إخباره و إمضاء ما أمروا بإمضائه من التكاليف موقوف على تكرير الإعلام في ليلة القدر، و يحتمل أن يكون المراد بالجمل ما يقبل البداء من الأمور و بالتفسير و التفصيل تعيين ما هو محتوم و ما يقبل البداء كما يظهر من سائر الأخبار، و لما كان علم البداء غامضا و فهمه مشكلا أبهم (عليه السلام) على السائل و لم يوضحه له، فقوله (عليه السلام) " هذا مما أمروا بكتمانه" أي أمروا بكتمان أمر البداء عن غير أهله لقصور فهمهم، و أنهم قبل أن يعين لهم الأمور البدائية و المحتومة لا يجوز لهم الإخبار بها، و لذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو لا آية في كتاب الله لأخبرت بما يكون إلى يوم القيامة فقوله" لا يعلم تفسير ما سألت" أي لا يعلم ما يكون محتوما و ما ليس بمحتوم في السنة قبل نزول الملائكة و الروح إلا الله.و أما قوله" لا يحل لك" فهو إما لقصوره عن فهم معنى البداء، أو لأن توضيح ما نزل في ليلة القدر و العلم بخصوصياته مما لا يمكن لسائر الناس غير الأوصياء (عليهم السلام) الإحاطة به، و يؤيد هذا قوله" فإن الله تعالى أبى" و على الأول يمكن تعميم الأنفس على وجه يشمل خواص أصحابهم و أصحاب أسرارهم مجازا كما ورد: سلمان منا أهل البيت.و الحاصل أن توضيح أمر البداء و تفصيله لأكثر الخلق ينافي حكمه البداء إذ هذه الحكمة لا تحصل لهم إلا بجهلهم بأصله ليصير سببا لإتيانهم بالخيرات و تركهم الشرور و السيئات، كما أومأنا إليه في باب البداء، أو بالعلم بكنه حقيقة ذلك، و هذا
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور