الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول · رقم ١٧

و روى الصدوق (ره) في الخصال بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)

الكتاب لتأكيد اشتماله على كل شيء و" عَرَبِيًّا" صفة مخصصة أو مادحة، و اشتماله على غير العربي نادرا لا يضر في عربيته" و غَيْرَ ذِي عِوَجٍ" أي لا اختلاف فيه أو لا شك صفة بعد صفة للمدح و" لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" علة غائية للإنزال، و لم يذكر متعلق" يتقون" لقصد التعميم أو الاختصار و التحرز عن توهم التخصيص." قد بينه للناس" إما حال ثالثة للكتاب أو استيناف، كأنه قيل: ما فعل به أَوْضَحَهُ وَ فَرَائِضَ قَدْ أَوْجَبَهَا وَ حُدُودٍ حَدَّهَا لِلنَّاسِ وَ بَيَّنَهَا وَ أُمُورٍ قَدْ كَشَفَهَا لِخَلْقِهِ وَ أَعْلَنَهَا فِيهَا دَلَالَةٌ إِلَى النَّجَاةِ وَ مَعَالِمُ تَدْعُو إِلَى هُدَاهُ فَبَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَا أُرْسِلَ بِهِ وَ صَدَعَ بِمَا أُمِرَ وَ أَدَّى مَا حُمِّلَ مِنْ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ وَ صَبَرَ لِرَبِّهِ وَ جَاهَدَبعد الإنزال؟ فأجاب بأنه قد بينه للناس، و فيه دلالة على أن الناس يحتاجون في فهم ما فيه إلى مبين" و نهجه" أي أوضحه من نهجت الطريق إذا أوضحته، عطف تفسير لقوله: بينه، أو المراد بالتبين بيان مدلولاته الظاهرة، و بالنهج إيضاح بطونه و إسراره الكامنة، أو الأول إيضاح أصول المطالب و الثاني إيضاح دلائلها، أو الأول في الأصول و الثاني في الفروع، و المستتر فيهما راجع إلى الرسول، و يحتمل رجوعه إلى الله و إلى الكتاب و كذا المستترات في فصله، و أوضحه، و أوجبها، و كشفها، و أعلنها لكن الظاهر رجوعها إلى الله لقوله: لخلقه، و قوله: يعلم إما متعلق ببينة و نهجه، أو حال عن الكتاب، و قوله: لخلقه، متعلق بقوله كشفها أو بجميع الأفعال على التنازع." فيها" أي في الأمور، و المعالم مواضع العلوم و ما يوجبها، و هو عطف على دلالة أو علي النجاة، و ضمير" هداه" لله أو للرسول أو للكتاب و على التقادير الإضافة إلى الفاعل، و مفعول" تدعو" محذوف و هو العباد، و قيل، الهدى بمعنى ما يهتدى به، و هو الله أو الرسول أو الكتاب و الإضافة على الأول لامية، و على الأخيرين بيانية، و لا يخفى ما فيه، و في بعض النسخ هداة بالتاء جمع الهادي، و هم الأئمة (عليهم السلام)." و صدع بما أمر" اقتباس من قوله تعالى:" فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ" أي اجهر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا، أو أظهره من صدعه إذا أظهره و بينه، أو فرق بين الحق و الباطل من صدعه إذا شقة على سبيل الاستعارة و التشبيه،" و ما" مصدرية أو موصولة أو موصوفة، و العائد محذوف، و الباء على الأخيرين زائدة و الأثقال جمع فِي سَبِيلِهِ وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَ حَثَّهُمْ عَلَى الذِّكْرِ وَ دَلَّهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى بِمَنَاهِجَ وَ دَوَاعٍ أَسَّسَ لِلْعِبَادِ أَسَاسَهَا وَ مَنَارٍ رَفَعَ لَهُمْ أَعْلَامَهَا كَيْلَا يَضِلُّوا مِنْ بَعْدِهِ وَ كَانَ بِهِمْ رَءُوفاً رَحِيماًثقل بالكسر ضد الخفة أو جمع ثقل بالتحريك و هو متاع البيت، و أراد به هنا ما أتى به الوحي على سبيل الاستعارة، و قد أدى كله إلى وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام)." و صبر لربه" أي صبر على تحمل ما حمل و تبليغه و ما لحقه من أذى المعاندين و طعن الطاعنين لرضا ربه و امتثال أمره" و جاهد في سبيله" أي في سبيل الله الذي هو دين الحق" و نصح لأمته" النصح: الخلوص و أراد به إرشادهم إلى ما فيه صلاح معاشهم و معادهم و عونهم عليه و الذب عنهم و عن أعراضهم" و دعاؤهم إلى النجاة" أي إلى ما فيه نجاتهم من شدائد الدنيا و عقوبات الآخرة" و حثهم على الذكر" أي على ذكره سبحانه في جميع الأحوال بالقلب و اللسان و كل ما يوجب قربه تعالى فهو ذكره، و يحتمل أن يراد بالذكر القرآن" و دلهم على سبيل الهدى" لعل المراد بسبيل الهدى الدين الحق و بالمناهج و هي الطرق الواضحة الأوصياء، و بالدواعي المنافع التي تدعو إلى سبيل الهدى، و بتأسيس أساس هذه المناهج و الدواعي وضعها و تعيينها و أحكامها، و يحتمل أن يراد بالداعي الأدلة الدالة على خلافة الأوصياء، أو يراد بسبيل الهدى الأوصياء و بالمناهج و الدواعي الدلالة على خلافتهم.و المنائر جمع المنارة على خلاف القياس، و هي موضع النور، أستعير هنا للأوصياء (عليهم السلام)، و رفع أعلامها كناية عن نصب أدلة واضحة على خلافتهم و إمامتهم" كيلا يضلوا" علة غائية لما ذكر" و كان بهم رؤوف رحيما" الواو للعطف و يحتمل الحالية و اقتبس من قوله تعالى:" حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ" و قيل: قدم الأبلغ منهما و هو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة و محافظة على الفواصل. [الحديث 18]18 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَلِيٍّ الْقَيْسِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي دُرُسْتُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْحَسَنِ الْأَوَّلَ (عليه السلام) أَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَحْجُوجاً بِأَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَاو أقول: التقديم هنا لرعاية نظم المقتبس منه و يمكن أن يقال فيهما أن الرأفة فيما يتعلق بالأمور الأخروية، و الرحمة فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، و التقديم للاهتمام كما أن تخصيص الأبلغ أيضا بها لذلك، و للإشعار بأنه (صلى الله عليه و آله) كان جل اهتمامه فيما يصلح أمور آخرتهم و هذا وجه وجيه لم يذكره أحد.قوله: أ كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) محجوجا بأبي طالب، أقول: الخبر يحتمل وجوها:الأول: ما خطر ببالي و هو أظهر عندي و هو أن المعنى هل كان أبو طالب (عليه السلام) حجة على رسول الله (صلى الله عليه و آله) إماما له؟ فأجاب (عليه السلام) بنفي ذلك معللا بأنه كان وَ لَكِنَّهُ كَانَ مُسْتَوْدَعاً لِلْوَصَايَا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ قُلْتُ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْوَصَايَا عَلَى أَنَّهُ مَحْجُوجٌ بِهِ فَقَالَ لَوْ كَانَ مَحْجُوجاً بِهِ مَا دَفَعَ إِلَيْهِ الْوَصِيَّةَ قَالَ فَقُلْتُ فَمَامستودعا للوصايا دفعها إليه، لا على أنه أوصى إليه و جعله خليفة له ليكون حجة عليه، بل كما يوصل المستودع الوديعة إلى صاحبها فلم يفهم السائل ذلك و أعاد السؤال، و قال: دفع الوصايا مستلزم لكونه حجة عليه فأجاب (عليه السلام) بأنه دفع إليه الوصايا على الوجه المذكور، و هذا لا يستلزم كونه حجة بل ينافيه، و قوله (عليه السلام): و مات من يومه، أي يوم الدفع لا يوم الإقرار، و يحتمل تعلقه بهما، و يكون المراد به الإقرار الظاهر الذي اطلع عليه غيره (صلى الله عليه و آله و سلم).الثاني: أن المعنى هل كان الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) محجوجا مغلوبا في الحجة بسبب أبي طالب حيث قصر في هدايته إلى الإيمان فلم يؤمن؟ فقال (عليه السلام): ليس الأمر كذلك لأنه كان قد آمن و أقر و كيف لا يكون كذلك و الحال أن أبا طالب كان من الأوصياء و كان أمينا على وصايا الأنبياء و حاملا لها إليه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال السائل: هذا موجب لزيادة الحجة عليهما حيث علم نبوته بذلك و لم يقر؟ فأجاب (عليه السلام) بأنه لو لم يكن مقرا لم يدفع الوصايا إليه.الثالث: ما ذكره بعض الأفاضل: أن المعنى أنه لو كان محجوجا به و تابعا له لم يدفع الوصية إليه، بل كان ينبغي أن يكون عند أبي طالب و الوصايا التي ذكرت بعد كأنها غير الوصية الأولى، و اختلاف التعبير يدل عليه، فدفع الوصية كان سابقا على دفع الوصايا، و إظهار الإقرار، و أن دفعها كان في غير وقت مما يدفعه الحجة إلى المحجوج بأن كان متقدما عليه أو أنه بعد دفعها اتفق موته، و الحجة يدفع إلى المحجوج عند العلم بموته أو دفع بقية الوصايا، فأكمل الدفع يوم موته الرابع: ما ذكره بعضهم أن قوله: على أنه محجوج به، يعني على أن يكون النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حجة عليه، و قوله: ما دفع إليه الوصية لأن الوصية إنما ينتقل ممن له التقدم. كَانَ حَالُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَقَرَّ بِالنَّبِيِّ وَ بِمَا جَاءَ بِهِ وَ دَفَعَ إِلَيْهِ الْوَصَايَا وَ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ[الحديث 19]19 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بَاتَ آلُ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا سَمَاءَ تُظِلُّهُمْالخامس: تأويل غريب ذكره بعض الشارحين حيث قال: محجوجا، أي مغلوبا بالحجة و هو أن يكون أبو طالب من أوصياء عيسى بعد عبد المطلب، و قبل رسول الله و ضمير لكنه لأبي طالب، و الوصايا عبارة عن كتب الأنبياء و عصا موسى و خاتم سليمان و نحو ذلك، و المراد أن عبد المطلب كان من أوصياء عيسى فصار رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) وصي عيسى بلا توسط أبي طالب، و استودع عبد المطلب أبا طالب الوصايا لصغر سن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حينئذ، فدفع على بناء المجهول، و الدافع عبد المطلب و ضميرا" أنه" و" إليه" لأبي طالب" به" نائب الفاعل و الضمير لأبي طالب، و معنى كونه محجوجا به كونه شريكا لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في وصايته بأن لا يكون أحدهما محجوجا بالآخر، و يكون كل منهما حجة على قوم الآخر أو على الجميع بالإشاعة، فأجاب (عليه السلام) بإبطال هذا بأنه لو كان أبو طالب شريكا له لما دفع إليه الوصية لأنه كان أكبر، فما كان يدفعها بل أقر بكون النبي وصي عيسى أو لا و بكونه مبعوثا بشريعة على حدة ثانيا أم لا؟و حاصل الجواب أنه أقر بوصاية النبي أولا و بما جاء به ثانيا، و" دفع" جملة حالية بتقدير" قد" و المستتر لأبي طالب، و ضمير إليه لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هذا لتأييد الإقرارين" و مات" عطف على أقر و الضمير لأبي طالب، و من بمعنى في، و ضمير يومه لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أي مات في وقت رسالته لا قبله، انتهى و لا يخفى غرابته." بأطول ليلة" كناية عن شدة حزنهم فإن ليلة الحزين تطول عليه" حتى ظنوا" على بناء المعلوم بيانا لشدة تأثير المصيبة فيهم، حتى أنهم أشبهوا بمن سلب وَ لَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَتَرَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْأَبْعَدِينَ فِي اللَّهِ فَبَيْنَا هُمْعقله و غفل عن الأمور الواضحة كالظلال السماء و إقلال الأرض، أو ظنوا أنهم لا يبقون بعد تلك المصيبة فتظلهم السماء و تقلهم الأرض، و يمكن أن يقرأ ظنوا على بناء المجهول أي ظن الحاضرون بهم ذلك، و كل ذلك مبالغة شايعة بين العرب و العجم في بيان فخامة المصيبة و شدة البلية، و يقال: أظله أي ألقى ظله عليه، و أقله أي جملة." وتر الأقربين و الأبعدين" أي جنى عليهم و قتل أقاربهم و جعلهم ذوي أوتار، و دخول طالبين للدماء و نقصهم أموالهم، كل ذلك" في الله" أي لطلب رضاء الله فكلمة" في" للتعليل، قال الجوهري: الوتر بالفتح الذحل و الموتور الذي قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه، تقول: منه وتره يتره وترا وترة، و كذلك وتره حقه أي نقصه، و قال الفيروزآبادي: الوتر بالكسر و يفتح: الذحل أو الظلم فيه كالترة و قد وتره يتره وترا وترة، و القوم جعل شفعهم وترا كأوترهم و الرجل أفزعه و أدركه بمكروه، و وتره ماله نقصه إياه، انتهى.و قيل: الوتر الحقد يعني أسخطهم على نفسه و أهله، و جعلهم ذوي حقد عليهم في طلب رضاه، و هو لا يوافق ما في اللغة و إن كان يؤول إلى ما ذكرنا، و قيل: الوتر طلب المكافاة بجناية جنيت على الرجل من قتل أو جرح أو نحو ذلك، و الحمل للمبالغة، و المقصود أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان طالب الجنايات للأقارب و الأباعد و دافع الظلم عنهم، و حافظ حقوقهم، و في ذكر الأبعدين تنبيه على أن ذلك كان من كمال عدله و إنصافه، لا على التعصب، انتهى، و الأظهر ما ذكرنا." فبينما هم" و في بعض النسخ: فبينا هم، و هما ظرفان مضافان إلى الجملة الاسمية أو الفعلية، و خفض المفرد بهما قليل، و بينما في الأصل بين التي هي ظرف مكان أشبعت فيها الحركة فصارت بينا، و زيدت الميم فصارت بينما، و لما فيهما من معنى الشرط يفتقران إلى جواب و يتم به المعنى، و الأفصح في جوابهما عند الأصمعي كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ لَا يَرَوْنَهُ وَ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ وَ نَجَاةً مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ وَ دَرَكاً لِمَاأن يصحبه إذا أو إذ الفجائيان، و عند غيره أن يجرد عنهما.و الآتي أما الخضر (عليه السلام) كما يدل عليه رواية رواها الصدوق (ره) في إكمال الدين عن الرضا (عليه السلام)، أو جبرئيل (عليه السلام) كما يدل عليه ما سيأتي في كتاب الجنائز إنشاء الله." أهل البيت" منصوب بالنداء أو بالاختصاص" إن في الله عزاء" العزاء الصبر، و التعزية حمل الغير على الصبر، و المراد هنا ما يوجب التعزية و التسلية، أي في ذات الله تعالى فإن الله باق لكل أحد بعد فوت كل شيء، أو في ثوابه تعالى و ما أعد للصابرين و وعدهم أو في التفكر فيها أو في التفكر في أنه سبحانه حكيم لا يفعل إلا الأصلح بعباده ما يوجب التصبر و التسلي و الرضا بالمصيبة، و يحتمل أن يكون الكلام مبنيا على التجريد، كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى:" رِيحٍ فِيهٰا صِرٌّ" بعد ذكر وجهين: الثالث: أن يكون من قوله تعالى:" ﴿‏لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏﴾" و من قولك إن ضيعني فلان ففي الله كاف و كافل، قال:و في الرحمن للضعفاء كاف، انتهى.و قال في تلخيص المفتاح و شرحه في عد أقسام التجريد: و منها ما يكون بدخول" في" في المنتزع منه، نحو قوله تعالى:" فِيهٰا دٰارُ الْخُلْدِ" أي في جهنم و هي دار الخلد لكنه انتزع منها دارا أخرى، و جعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها و مبالغة في اتصافها بالشدة، انتهى.و الدرك محركة اللحاق و الوصول، أي يحصل به تعالى أو بثوابه الخلف و العوض من كل هالك و تدارك ما قد فات، أو الوصول إلى ما يتوهم فوته عن الإنسان من فَاتَ كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّمٰا ﴿‏تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّٰارِ‏﴾ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فٰازَ وَ مَا ﴿‏الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا إِلّٰا مَتٰاعُ الْغُرُورِ‏﴾إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَكُمْ وَ فَضَّلَكُمْ وَ طَهَّرَكُمْ وَ جَعَلَكُمْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ اسْتَوْدَعَكُمْ عِلْمَهُ وَ أَوْرَثَكُمْ كِتَابَهُ وَ جَعَلَكُمْالمنافع بفوات من مات. كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ قال الطبرسي (ره): أي ينزل بها الموت لا محالة، فكأنها ذاقته، و قيل: معناه كل نفس ذائقة مقدمات الموت و شدائده و سكراته" وَ إِنَّمٰا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ" معناه و إنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ إن خيرا فخيرا و ثوابا و إن شرا فشرا و عقابا، فإن الدنيا ليست بدار جزاء و إنما هي دار عمل و الآخرة دار جزاء و ليست بدار عمل" فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّٰارِ" أي بوعد من نار جهنم و نحي عنها" وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فٰازَ" أي نال المنية و ظفر بالبغية و نجا من الهلكة" وَ مَا ﴿‏الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا إِلّٰا مَتٰاعُ الْغُرُورِ‏﴾" معناه: و ما لذات الدنيا و زينتها و شهواتها إلا متعة متعكموها للغرور و الخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختيار، و قيل:متاع الغرور القوارير و هي في الأصل ما لا بقاء له عن عكرمة، انتهى.و قال البيضاوي: شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام و يغر حتى يشتريه، و هذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ، و الغرور مصدر أو جمع غار، انتهى." إن الله اختاركم" أي للإمامة" و فضلكم على غيركم و طهركم" من الذنوب و الشك و الشبهة و الأخلاق الذميمة إشارة إلى آية التطهير" و جعلكم أهل بيت نبيه" لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أدخلهم خاصة في الكساء عند نزول آية التطهير" و استودعكم علمه" أي جعلكم حفظة لعلمه الذي أنزل من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء، تقول:استودعته وديعة إذا استحفظته إياها" و جعلكم تابوت علمه" التابوت الصندوق الذي يحرز فيه المتاع، و قال الجوهري: أصله تابوة مثل ترقوة و هو فعلوة، فلما سكنت تَابُوتَ عِلْمِهِ وَ عَصَا عِزِّهِ وَ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ نُورِهِ وَ عَصَمَكُمْ مِنَ الزَّلَلِ وَ آمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ فَتَعَزَّوْا بِعَزَاءِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْزِعْ مِنْكُمْ رَحْمَتَهُ وَ لَنْ يُزِيلَ عَنْكُمْ نِعْمَتَهُالواو انقلبت هاء التأنيث تاء" و عصا عزه" العز و العزة: القوة و الغلبة، و منه العزيز في أسمائه تعالى، و هو القوي الغالب الذي لا يغلب فهو كناية عن قيام عزه سبحانه بين الخلق بهم كقيام الإنسان بالعصا إذ بهم يقام معرفة الله و دينه و عبادته، و بهم يقهر أعداء الله و يغلب أولياؤه، و لا يبعد أن تكون الفقرتان إشارتين إلى أنهم بمنزلة تابوت بني إسرائيل لكونها مخزنا للألواح و الصحف، و سائر

[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.