الأقسامفضائل أهل البيت ومناقبهممناقب أمير المؤمنين
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول · رقم ١٩

و روى البرقي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)

قال: ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن: طعام يأكله، و ثوب يلبسه، و زوجة صالحة تعاونه و يحصن بها فرجه و قد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى:" لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ" أن النعيم ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، و قد روى العياشي و غيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان؟قال: القوت من الطعام و الماء البارد، فقال: لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه؟ قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: نحن أهل بيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، الخبر.و يمكن أن يقال: السؤال عن المال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال جَوَاباً وَ لَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ بَقَاؤُهُ وَ كَثِيرَهَا لَا يُؤْمَنُ بَلَاؤُهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَ جِدَّ فِي أَمْرِكَ وَ اكْشِفِ الْغِطَاءَ عَنْ وَجْهِكَ وَ تَعَرَّضْأو حرام، لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال من مأكلهم و مسكنهم و ملبسهم و نحو ذلك، أو المراد بتلك الأخبار أنهم لا يعاتبون بذلك و لا يقاص من حسناتهم بها، فلا ينافي أصل المحاسبة كما روى الشيخ في مجالسه بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: يوقف العبد بين يدي الله فيقول: قيسوا بين نعمتي عليه و بين عمله، فتستغرق النعم العمل، فيقولون: قد استغرق النعم العمل، فيقول: هبوا له نعمتي و قيسوا بين الخير و الشر منه فإن استوى العملان أذهب الله الشر بالخير، و أدخله الجنة و إن كان له فضل أعطاه الله بفضله، و إن كان عليه فضل و هو من أهل التقوى و لم يشرك بالله تعالى، و اتقى الشرك به فهو من أهل المغفرة يغفر الله له برحمته إن شاء و يتفضل عليه بعفوه.و قال الجوهري: تأهب استعد و أهبه الحرب عدتها و قال: الأسي مفتوح مقصور: الحزن، و أسى على مصيبته بالكسر يأسى أسى أي حزن" لا يدوم بقاؤه" و العاقل لا يتأسف بفوات قليل لا بقاء له." لا يؤمن بلاؤه" أي في الدنيا و الآخرة، و العاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر و البلية، مع أن الرب الذي فوتها عليه أعلم بمصلحته، أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا و قلته سهل فإنه لا يدوم و ينقضي قريبا بالموت، و الكثرة محل الآفات" فخذ حذرك" بالكسر أي ما تحذر به من مكائد النفس و الشيطان في الدنيا و العذاب في الآخرة قال الراغب في قوله تعالى:" خُذُوا حِذْرَكُمْ*" أي ما فيه الحذر من السلاح و غيره" و جد في أمرك" أي في تهيئة سفر الآخرة و الاستعداد للقاء الله من العقائد الحسنة و الأعمال الصالحة لِمَعْرُوفِ رَبِّكَ وَ جَدِّدِ التَّوْبَةَ فِي قَلْبِكَ وَ اكْمُشْ فِي فَرَاغِكَ قَبْلَ أَنْ يُقْصَدَ قَصْدُكَ وَ يُقْضَىو الأخلاق المرضية فإن من أراد سفرا يأخذ الأسلحة لدفع ضرر الطريق و يجهز و يهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر" و اكشف الغطاء عن وجهك" أي ارفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك لتميز بين الحق و الباطل و الفاني و الباقي أو عن الجهة التي تتوجه إليه، و الطريق الذي تسلكه لئلا يشتبه عليك فتسلك طريقا يؤديك إلى النار و أنت لا تعلم" و تعرض لمعروف ربك" بما به تستحق إحسانه و تفضله عليك من صالح النيات و الأعمال." و جدد التوبة في قلبك" أي كلما ذكرت معاصيك، و في النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي و هي الندامة عما مضى و العزم على عدم الإتيان بمثله فيما سيأتي، و فيه دلالة على حسن تكرار التوبة و إن كانت عن معصية واحدة" و اكمش" أي أسرع و عجل، في الصحاح: الكمش الرجل السريع الماضي، و قد كمش بالضم كماشة فهو كمش و كميش و كمشته تكميشا أعجلته، و انكمش أسرع، انتهى." في فراغك" أي في أن تفرغ من الأمور التي تحتاج إليه في الآخرة أو في فراغك من الدنيا و جعلك نفسك فارغة منها للآخرة أو في قصدك إلى الآخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلي بشيء يمنعك عنه، فإن الفراغ خلاف الشغل، قال في المصباح: فرغ من الشغل فروغا من باب قعد، و من باب تعب لغة لبني تميم و الاسم الفراغ، و فرغت للشيء و إليه قصدت.أقول: و يؤيد المعنى الأخير ما روي في مجالس الشيخ عن ابن عمر: خذ من حياتك لموتك، و خذ من صحتك لسقمك، و خذ من فراغك لشغلك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا، و ما رواه الصدوق في مجالسه عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) قَضَاؤُكَ وَ يُحَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ مَا تُرِيدُ[الحديث 21]21 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى (عليه السلام) يَا مُوسَى لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا رُكُونَ الظَّالِمِينَ وَ رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا أَباً وَ أُمّاً يَا مُوسَى لَوْ وَكَلْتُكَ إِلَى نَفْسِكَ لِتَنْظُرَ لَهَا إِذاً لَغَلَبَ عَلَيْكَ حُبُّ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتُهَا يَا مُوسَىعن علي (عليه السلام) في قول الله عز و جل:" وَ لٰا تَنْسَ نَصِيبَكَ" قال: لا تنس صحتك و قوتك و فراغك و شبابك و نشاطك تطلب بها الآخرة" قبل أن يقصد" على بناء المجهول" قصدك" أي نحوك كناية عن توجه ملك الموت إليه لقبض روحه أو توجه الأمراض و البلايا من الله إليه" و يقضي قضاءك" أي يقدر و يحتم موتك، و يحال بالموت أو الأعم بينك و بين ما تريد من التوبة و الأعمال الصالحة و لا ينفعه تمنى الحياة و الرجعة حيث يقول:" ﴿‏رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ‏﴾" فيقال:" ﴿‏كَلّٰا إِنَّهٰا كَلِمَةٌ هُوَ قٰائِلُهٰا‏﴾ وَ مِنْ ﴿‏وَرٰائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏﴾" أعاذنا الله و سائر المؤمنين من ندامة تلك الساعة و أهوال هذا اليوم.الحديث الحادي و العشرون: مرسل.و سيأتي تمام تلك المناجاة في الروضة بسند آخر، و بعض تلك الفقرات مذكور فيها علي خلاف الترتيب، و يقال: ركن إليه كنصر و علم و منع: مال، و يطلق غالبا على الميل القلبي" لو وكلتك" يدل على أن الزهد في الدنيا لا يحصل بدون توفيقه تعالى، و في القاموس: نظر لهم رثى لهم و أعانهم و قال: النظر محركة الفكر في الشيء تقدره و تقيسه، و الحكم بين القوم و الإعانة و الفعل كنصر، و في النهاية المنافسة الرغبة في الشيء و الانفراد به، و هو من الشيء النفيس الجيد في نوعه و نافست في الشيء منافسة و نفاسا إذا رغبت فيه. نَافِسْ فِي الْخَيْرِ أَهْلَهُ وَ اسْتَبِقْهُمْ إِلَيْهِ فَإِنَّ الْخَيْرَ كَاسْمِهِ وَ اتْرُكْ مِنَ الدُّنْيَا مَا بِكَ الْغِنَى عَنْهُ وَ لَا تَنْظُرْ عَيْنُكَ إِلَى كُلِّ مَفْتُونٍ بِهَا وَ مُوكَلٍ إِلَى نَفْسِهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِتْنَةٍقوله تعالى: فإن الخير كاسمه، لعل المعنى أن الخير لما دل بحسب أصل معناه في اللغة على الأفضلية و ما يطلق عليه في العرف و الشرع من الأعمال الحسنة أو إيصال النفع إلى الغير هي حير الأعمال، فالخير كاسمه أي إطلاق هذا الاسم على تلك الأمور بالاستحقاق، و المعنى المصطلح مطابق للمدلول اللغوي، أو المراد به أن الخير لما كان كل من سمعه يستحسنه فهو حسن واقعا و حسنه حسن واقعي.و الحاصل أن ما يحكم به عقول عامة الخلق في ذلك مطابق للواقع، أو المراد باسمه ذكره بين الناس، يعني إن الخير ينفع في الآخرة كما يصير سببا لرفعة الذكر في الدنيا" ما بك الغناء عنه" أي ما لم تحتج إليه بل لم تضطر إليه" و لا تنظر" على بناء المجرد" عينك" بالرفع أو بالنصب بنزع الخافض، أي بعينك، و ربما يقرأ تنظر على بناء الأفعال أي لا تجعلها ناظرة إلى كل مفتون بها أي مبتلى مخدوع بها، و المراد النظر إلى كل من لقيه منهم، فإنه لا يمكن النظر إلى كلهم أو كناية عن أن النظر إلى واحد منهم بالإعجاب به و بما معه من زينتها بمنزلة النظر إلى جميعهم، لاشتراك العلة" و موكل إلى نفسه" المتبادر أنه على بناء المفعول لكن كان الظاهر حينئذ و موكول، إذ لم يأت أو كله فيما عندنا من كتب اللغة لكن كثير من الأبنية المتداولة كذلك، و يمكن أن يقرأ على بناء الفاعل من الإيكال بمعنى الاعتماد، في القاموس: وكل بالله و توكل عليه و أو كل و اتكل استسلم إليه، و وكل إليه الأمر وكلا و وكولا سلمه و تركه." أن كل فتنة" أي ضلاله أو بلية أو امتحان أو إثم، في القاموس: الفتنة بالكسر الخبرة و إعجابك بالشيء و الضلال و الإثم و الكفر و الفضيحة و العذاب، و إذابة الذهب و الفضة و الإضلال و الجنون و المحنة و المال و الأولاد، و اختلاف الناس بَدْؤُهَا حُبُّ الدُّنْيَا وَ لَا تَغْبِطْ أَحَداً بِكَثْرَةِ الْمَالِ فَإِنَّ مَعَ كَثْرَةِ الْمَالِ تَكْثُرُ الذُّنُوبُ لِوَاجِبِ الْحُقُوقِ وَ لَا تَغْبِطَنَّ أَحَداً بِرِضَى النَّاسِ عَنْهُ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ عَنْهُ وَ لَا تَغْبِطَنَّ مَخْلُوقاً بِطَاعَةِ النَّاسِ لَهُ فَإِنَّ طَاعَةَ النَّاسِ لَهُ وَ اتِّبَاعَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ هَلَاكٌ لَهُ وَ لِمَنِ اتَّبَعَهُ[الحديث 22]22 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ مَا أَلْيَنَ مَسَّهَا وَ فِي جَوْفِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ يَحْذَرُهَا الرَّجُلُ الْعَاقِلُ وَ يَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ الْجَاهِلُفي الآراء.و أقول: يناسب هنا أكثر المعاني" و لا تغبط أحدا" بأن تتمنى حاله" تكثر الذنوب" بصيغة المضارع من باب حسن أو مصدر باب التفعل" لواجب الحقوق" أي للتقصير في أداء الحقوق الواجبة غالبا" بطاعة الناس له" أي في الباطل.الحديث الثاني و العشرون: حسن موثق.و في النهاية: السم الناقع أي القاتل، و قد نقعت فلانا إذا قتلته، و قيل:الناقع الثابت المجتمع، من نقع الماء، انتهى.و ما أحسن هذا التشبيه و أتمه و أكمله، و في النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها و السم الناقع في جوفها، يهوي إليها الغر الجاهل، و يحذرها ذو اللب العاقل.و في خبر المتن ظاهره أن الجملتين الأخيرتين لبيان المشبه به، و في النهج لبيان المشبه، و يحتمل العكس في كل منهما، و كون المشبه به أقوى لا ينافي كون ضرر الدنيا على طالبها واقعا أشد من ضرر الحية على لامسها لأن الأشدية و الأظهرية إنما تعتبران بالنسبة إلى المخاطب، و المخاطبون هنا هم أهل الدنيا [الحديث 23]23 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَعِظُهُ أُوصِيكَ وَ نَفْسِي بِتَقْوَى مَنْ لَا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ وَ لَا يُرْجَى غَيْرُهُ وَ لَا الْغِنَى إِلَّا بِهِ فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ وَ قَوِيَ وَ شَبِعَ وَ رَوِيَ وَ رُفِعَ عَقْلُهُ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَبَدَنُهُ مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ قَلْبُهُ وَ عَقْلُهُ مُعَايِنُ الْآخِرَةِ فَأَطْفَأَ بِضَوْءِ قَلْبِهِ مَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا فَقَذِرَالمغرورون بها، الغافلون عن مضارها و ضرر الحية عندهم أشد و أبين.و قال الراغب: الوعظ: خبر مقترن بتخويف و قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب و العظة و الموعظة الاسم، و قال: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض واصية متصلة النبات يقال: أوصاه و وصاه" فإن من اتقى الله" علة للوصية" عز" أي بعزة واقعية ربانية لا تزول بإزلال الناس، كما قال تعالى وَ لِلّٰهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ" و قوي بقوة معنوية إلهية، و لا تشبه القوي البدنية كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية" و شبع و روي" من غير اكتساب لقوله تعالى:" وَ مَنْ ﴿‏يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً‏﴾ وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ" أو شبع بالعلوم اللدنية، و ارتوى بزلال الحكمة الإلهية" و رفع عقله" على بناء المجهول" عن أهل الدنيا" أي صار عقله أرفع من عقولهم أو أرفع من أن ينظر إلى الدنيا و أهلها و يلتفت إليهم و يعتني بشأنهم إلا لهدايتهم و إرشادهم" فبدنة مع أهل الدنيا" لكونه من جنس أبدانهم في الصورة الجسدانية" و قلبه و عقله" لشدة يقينه" معائن الآخرة" لتخليه عن العلائق الجسمانية" من حب الدنيا" من للبيان أو للتبعيض، و إسناد الإبصار حَرَامَهَا وَ جَانَبَ شُبُهَاتِهَا وَ أَضَرَّ وَ اللَّهِ بِالْحَلَالِ الصَّافِي إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كِسْرَةٍ مِنْهُ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ وَ ثَوْبٍ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ أَغْلَظِ مَا يَجِدُ وَ أَخْشَنِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثِقَةٌ وَ لَا رَجَاءٌ فَوَقَعَتْ ثِقَتُهُ وَ رَجَاؤُهُ عَلَى خَالِقِ الْأَشْيَاءِ فَجَدَّ وَ اجْتَهَدَ وَ أَتْعَبَإلى الحب علي المجاز، أو المصدر بمعنى المفعول أو هو بالكسر، قال في القاموس:الحب بالكسر المحبوب شبه (عليه السلام) ما أبصره أو أحبه بالنار في الإهلاك استعارة مكنية و نسبة الإطفاء إليه تخييلية" فقذر حرامها" أي عده قذرا نجسا يجب اجتنابه أو كرهه، في الصحاح: القذر ضد النظافة و شيء قدر بين القذارة و قذرت الشيء بالكسر و تقذرته و استقذرته إذا كرهته." و جانب شبهاتها" و هي المشبهات بالحرام مع عدم العلم بكونها حراما كأموال الظلمة فيكون مكروها على المشهور، أو الذي اشتبه عليه الحكم فيه فاجتنابه مستحب على المشهور و كأنه (عليه السلام) لذلك غير التعبير فعبر هنا بالاجتناب، و في الحرام بالحكم بالقذارة" و أضر" على بناء المعلوم كناية عن تركه و عدم الاعتناء به، و ترك الالتفات إليه، أو على بناء المجهول أي يعد نفسه متضررة به أو يتضرر به لعلو حاله" بالحلال الصافي" من الشبهة فكيف بالحرام و الشبهة.و في المصباح: الكسرة القطعة من الشيء المكسور و منه الكسرة من الخبز، و في القاموس: الكسرة القطعة من الشيء المكسور، و الجمع كسر، انتهى." يشد بها صلبه" أي يقوي بها على العبادة" من أغلظ ما يجد" ظاهره استحباب الاكتفاء بالثياب الخشنة و إن كان قادرا على الناعمة و هو مخالف لأخبار كثيرة إلا أن يحمل على أن المراد به من الأغلظ الذي يجده أي إذا لم يجد غيره أو على ما إذا لم يجد غيره إلا بارتكاب الحرام و الشبهة أو بصرف جل أوقاته في تحصيله، بحيث يمنعه عن النوافل و فواضل الطاعات، أو على ما إذا علم أنه يصير سببا لطغيانه و إن علاج كبره و صفاته الذميمة منحصر في ذلك" ثقة و لا رجاء" أي بغيره سبحانه كما بَدَنَهُ حَتَّى بَدَتِ الْأَضْلَاعُ وَ غَارَتِ الْعَيْنَانِ فَأَبْدَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وَ شِدَّةًبينه في الفقرة الآتية.و في المصباح: الجد بالكسر الاجتهاد و هو مصدر يقال منه: جد يجد من بابي ضرب و قتل و الاسم الجد بالكسر" و أتعب بدنه" أي بالعبادات الشرعية لا الأعمال المبتدعة" فأبدل الله له" لأنه تعالى قال:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ".فمن بذل ما أعطاه الله من الأموال الفانية عوضه الله من الأموال الباقية أضعافها، و من بذل قوته البدنية في طاعة الله أبد له الله قوة روحانية لا يفنى في الدنيا و الآخرة فتبدو منه المعجزات و خوارق العادات و الكرامات و ما لا يقدر عليه بالقوى الجسمانية، و من بذل علمه في الله و عمل به ورثه الله علما لدنيا يزيد في كل ساعة، و من بذل عزه الفاني الدنيوي في رضا الله تعالى أعطاه الله عزا حقيقيا لا يتبدل بالذل أبدا، كما أن الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) لما بذلوا عزهم الدنيوي في سبيل الله أعطاهم الله عزة في الدارين، لا يشبه عز غيرهم فيلوذ الناس بقبورهم و ضرائحهم المقدسة، و الملوك يعفرون وجوههم على أعتابهم و يتبركون بذكرهم، و من بذل حياته البدنية في الجهاد في سبيله عوضه حياة أبدية يتصرفون بعد موتهم في عوالم الملك و الملكوت، و قد قال تعالى:" وَ لٰا ﴿‏تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏﴾" و من بذل نور بصره و سمعه في الطاعة أعطاه الله نورا منه ينظر في ملكوت السماوات و الأرض، و به يسمع كلام الملائكة المقربين و وحي رب العالمين، كما ورد: المؤمن ينظر بنور الله، و ورد: بي يسمع و بي يبصر، و إذا تخلى من إرادته و جعلها تابعة لإرادة الله جعله الله بحيث لا يشاء إلا أن يشاء الله، و كان الله هو الذي يدبر في بدنه و قلبه و عقله و روحه، و الكلام هنا دقيق لا تفي به العبارة و البيان، و في هذا المقام تزل الأقدام. فِي عَقْلِهِ وَ مَا ذُخِرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ فَارْفُضِ الدُّنْيَا فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي وَ يُصِمُّ وَ يُبْكِمُ وَ يُذِلُّ الرِّقَابَ فَتَدَارَكْ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ وَ لَا تَقُلْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى الْأَمَانِيِّ وَ التَّسْوِيفِ حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللَّهِ بَغْتَةً وَ هُمْ غَافِلُونَ فَنُقِلُوا عَلَى أَعْوَادِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمُ الْمُظْلِمَةِ الضَّيِّقَةِ وَ قَدْ أَسْلَمَهُمُ الْأَوْلَادُ وَ الْأَهْلُونَو الرفض الترك" يعمى" أي بصر القلب من رؤية الحق كما قال تعالى:" فَإِنَّهٰا لٰا تَعْمَى الْأَبْصٰارُ وَ لٰكِنْ ﴿‏تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ‏﴾" و يصم القلب أيضا عن سماع الحق و قبوله، و يمكن أن يراد بها عمى البصر الظاهر لعدم انتفاعه بما يرى فكأنه أعمى، و صمم السمع الظاهر لأنه لا ينتفع بما يسمع فكأنه أصم كما قال سبحانه:" خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ".و البكم نسبته إلى الظاهر أظهر فإنه لما لم يتكلم بالحق و بما ينفعه فكأنه أبكم، و إن أمكن حمله أيضا على لسان القلب، فإن لسان الرأس معبر عنه حقيقة" و يذل الرقاب" لأنه موجب للتذلل عند أهل الدنيا لتحصيله أو يذلها لقبول الباطل من أهله من الذل بالكسر، و هو ضد الصعوبة." فتدارك ما بقي" التدارك ليس هنا بمعنى التلافي، و لا بمعنى التلاحق بل بمعنى الإدراك أي أدركه و لا تفوته كقوله تعالى:" لَوْ لٰا ﴿‏أَنْ تَدٰارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏﴾" أي أدركته بإجابة دعائه كما قاله الطبرسي (ره)، و يحتمل أن يكون" ما بقي" ظرفا و المفعول مقدرا أي تلاف ما فات منك فيما بقي من عمرك، لكنه بعيد." و لا تقل غدا" أي أتوب أو اعمل غدا" حتى أتاهم أمر الله" أي بالموت أو بالعذاب" بغتة" بالفتح، و قد يحرك أي فجاءة" و هم غافلون" عن إتيانه" على أعوادهم" أي كائنين على السرر و التوابيت المعمولة من الأعواد" إلى قبورهم المظلمة الضيقة" فَانْقَطِعْ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا وَ عَزْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْكِسَارٌ وَ لَا انْخِزَالٌ أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ عَلَى طَاعَتِهِ وَ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ[الحديث 24]24 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَ غَيْرِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ مَاءِ الْبَحْرِ كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ[الحديث 25]25 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَافإنها على الأشقياء كذلك و إن كانت للأصفياء روضة من رياض الجنة" فانقطع" أي عن الدنيا و أهلها" بِقَلْبٍ" أي مع قلب" مُنِيبٍ" أي تائب راجع عن الذنوب، إشارة إلى قوله تعالى:" مَنْ خَشِيَ الرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ وَ جٰاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ" قال الطبرسي أي وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله، راجع إلى الله بضمائره" من رفض الدنيا" من تعليل للإنابة، أو للانقطاع، و عزم عطف على قلب" ليس فيه انكسار" أي وهن" و لا انخزال" أي تثاقل أو انقطاع، في القاموس: الانخزال مشية في تثاقل و الاختزال الانفراد و الحذف و الاقتطاع، و انخزل عن جوابي لم يعبأ به، و في كلامه: انقطع" لمرضاته" أي لما يوجب رضاه عنا.الحديث الرابع و العشرون: ضعيف كالموثق أو كالحسن." كمثل ماء البحر" أي المالح، و هذا من أحسن التمثيلات للدنيا و هو مجرب فإن الحريص على جمع الدنيا كلما ازداد منها ازداد حرصه عليها، و أيضا كلما حصل منها لا بد له لحفظه و نموه و سائر ما يليق به و يناسبه من أشياء أخرى و لا ينتهي إلى حد فيصرف جميع عمره في تحصيلها حتى يموت و لا يبقى له إلا حسراتها و عقوباتها أعاذنا الله منها.الحديث الخامس و العشرون: ضعيف على المشهور معتبر.و قال في النهاية: فيه حواريي من أمتي أي خاصتي من أصحابي و ناصري، ع يَقُولُ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ص- لِلْحَوَارِيِّينَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا لَا يَأْسَى أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ دِينِهِمْ إِذَا أَصَابُوا دُنْيَاهُمْو منه الحواريون أصحاب عيسى (عليه السلام) أي خلصائه و أنصاره، و أصله من التحوير التبييض قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها، و منه: الخبز الحوارى الذي نخل مرة بعد مرة قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء و تأويله الذين أخلصوا و نقوا من كل عيب، و قال الراغب: الحواريون أنصار عيسى (عليه السلام) قيل: كانوا قصارين، و قيل: كانوا صيادين، و قال بعض العلماء: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين و العلم، المشار إليه بقوله:" ﴿‏إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏﴾ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" قال: و إنما قيل: كانوا قصارين على التمثيل و التشبيه، و تصور منه من لم يتخصص بمعرفة الحقائق المهنة المتداولة بين العامة، قال: و إنما قال: كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة وقودهم إلى الحق، انتهى.و الأسي الحزن على فوت الفائت، و الغرض لا يكن أهل الدنيا علي باطلهم أشد حرصا منكم على الحق.

[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.