⟨ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة، و لذلك⟩
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما منكم من أحد إلا و له شيطان قالوا: و لا أنت يا رسول الله؟ قال: و لا أنا إلا أن الله عز و جل أعانني عليه فأسلم فلم يأمرني إلا بخير.و إنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة، فمن أعانه الله على شهوته حتى صار لا ينبسط إلا حيث ينبغي و إلى الحد الذي ينبغي، فشهوته لا تدعوه إلى الشر، فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير، و مهما غلب على القلب ذكر الدنيا و متقضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس، و مهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان و ضاق مجالة و أقبل الملك و ألهم، فالتطارد بين جندي الملائكة و الشيطان في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن و يستوطن، و يكون اجتياز الثاني اختلاسا، و أكثر القلوب قد فتحها جنود الشيطان و ملكوها، فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة و اطراح الآخرة، و مبدء استيلائها اتباع الهوى، و لا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان و هو الهوى و الشهوات، و عمارته بذكر الله إذ هو مطرح أثر الملائكة، و لذلك قال الله تعالى:" ﴿إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ﴾*".و كل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله، فلذلك تسلط عليه الشيطان و قال تعالى:" أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ" إشارة إلى أن الهوى إلهه و معبوده فهو عبد الهوى لا عبد الله، و لا يمحو وسوسة الشيطان عن القلب إلا ذكر شيء سوى ما يوسوس به، لأنه إذا حضر في القلب ذكر شيء انعدم عنه ما كان فيه من قبل، و لكن كل شيء سوى ذكر الله و سوى ما يتعلق به، فيجوز أن يكون أيضا مجالا..........للشيطان، فذكر الله سبحانه هو الذي يؤمن جانبه، و يعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال، و لا يعالج الشيطان إلا بضده و ضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله تعالى، و الاستعاذة به و التبري عن الحول و القوة، و هو معنى قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و ذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الذين الغالب عليهم ذكر الله، و إنما الشيطان يطوف بقلوبهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة، قال الله تعالى:" ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذٰا مَسَّهُمْ طٰائِفٌ مِنَ الشَّيْطٰانِ تَذَكَّرُوا فَإِذٰا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾" و قال مجاهد في قوله:" مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ الْخَنّٰاسِ" قال: هو منبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله سبحانه خنس و انقبض، و إذا غفل انبسط على عقله فالتطارد بين ذكر الله و وسوسة الشيطان كالتطارد بين النور و الظلام و بين الليل و النهار، و لتطاردهما قال الله تعالى:" ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطٰانُ فَأَنْسٰاهُمْ ذِكْرَ اللّٰهِ﴾" و في الحديث: أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس و إن نسي الله التقم قلبه.و كما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي و دمه فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه و دمه و محيطة بالقلب من جوانبه، و لذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع، و ذلك لأن الجوع يكسر الشهوة و مجرى الشيطان الشهوات و لأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخبارا عن إبليس:" ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ" و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أ تسلم و تترك دينك و دين آبائك فعصاه..........فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أ تهاجر و تدع أرضك و نساءك فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: أ تجاهد و هو تلف النفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك و تقسم مالك فعصاه فجاهد، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): فمن فعل ذلك فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة فقد ذكر (صلى الله عليه و آله و سلم) معنى الوسوسة فإذا الوسواس معلوم بالمشاهدة، و كل خاطر فله سبب و يفتقر إلى اسم تعرفه، فاسم سببه الشيطان و لا يتصور أن ينفك عنه آدمي و إنما يختلفون بعصيانه و متابعته، و لذا قال (صلى الله عليه و آله و سلم): ما من أحد إلا و له شيطان.و قد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة و الإلهام و الملك و الشيطان و التوفيق و الخذلان، فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان، و أنه جسم لطيف أو ليس بجسم، و إن كان جسما فكيف يدخل في بدن الإنسان ما هو جسم، فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة، بل مثال الباحث عن هذا كمثال من دخل في ثوبه حية و هو محتاج إلى دفع ضرارتها، فاشتغل بالبحث عن لونها و طولها و عرضها، و ذلك عين الجهل لمصادفة الخواطر الباعثة على الشرور، و قد علمت، و دل ذلك على أنه عن سبب لا محالة، و علم أن الداعي إلى الشر المحذور المستقبل عدو فقد عرف العدو فينبغي أن يشتغل بمجاهدته.و قد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به و يحترز عنه فقال تعالى:" ﴿إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمٰا﴾ يَدْعُوا ﴿حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحٰابِ السَّعِيرِ﴾" و قال تعالى:" أَ لَمْ ﴿أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾" فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله و نسبه و مسكنه، نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن..........نفسه، و سلاح الشيطان الهوى و الشهوات، و ذلك كاف للعالمين، فأما معرفة صفة ذاته و حقيقة الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات، و لا يحتاج في المعاملة إلى معرفته" إلى آخر ما حققه في هذا المقام".و أقول: ما ذكره أن دفع الشيطان لا يتوقف على معرفته حق لكن تأويل الملك و الشيطان بما أومأ إليه في هذا المقام و صرح به في غيره مع تصريح الكتاب بخلافه جرأة على الله تعالى و على رسوله، كما حققناه في كتابنا الكبير و التوكل على الله العليم الخبير، و إنما بسطنا الكلام في هذا المقام ليسهل عليك فهم الأخبار الماضية و الآتية." و شيطان مفتن" بكسر التاء المشددة أو المخففة أي مضل، في القاموس:الفتنة بالكسر الخبرة و إعجابك بالشيء، فتنة يفتنه فتنا و فتونا و افتنه، و الضلال و الإثم و الكفر و الفضيحة و العذاب، و إذابة الذهب و الفضة، و الإضلال و الجنون و المحنة، و اختلاف الناس في الآراء، و فتنة يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه و افتنه.قال سبحانه:" إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيٰانِ" قال البيضاوي: مقدر بأذكر، أو متعلق بأقرب، يعني في قوله:" وَ نَحْنُ ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾" أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به" عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمٰالِ قَعِيدٌ" أي عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد، أي مقاعد كالجليس، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله:" فإني و قيار بها لغريب" و قيل: يطلق الفعيل للواحد و المتعدد كقوله:" وَ الْمَلٰائِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ"" مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ" ما يرمى به من فيه" إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ" ملك يرقب عمله" عَتِيدٌ" معد حاضر و لعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب، انتهى. [الحديث 2]2 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعْدَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ إِنَّ لِلْقَلْبِ أُذُنَيْنِ فَإِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِذَنْبٍ قَالَ لَهُ رُوحُو أقول: ظاهر أكثر الأخبار الواردة من طريق الخاص و العام أن المتلقيين و الرقيب العتيد هما الملكان الكاتبان للأعمال، فصاحب اليمين يكتب الحسنات و صاحب الشمال يكتب السيئات، و ظاهر هذا الخبر أن الرقيب و العتيد الملك و الشيطان، بل المتلقيين أيضا، و يحتمل أن يكون هذا بطن الآية أو يكون الرقيب العتيد صاحب اليمين و يكون الزاجر و الكاتب متحدا." فإذا هم العبد" للنفس طريق إلى الخير و طريق إلى الشر، و للخير مشقة حاضرة زائلة و لذة غائبة دائمة، و للشر لذة حاضرة فانية و مشقة غائبة باقية، و النفس يطلب اللذة و يهرب عن المشقة، فهو دائما متردد بين الخير و الشر، فروح الإيمان يأمره بالخير و ينهاه عن الشر، و الشيطان بالعكس، و قد مر بعض الكلام في روح الإيمان في كتاب الحجة في باب الأرواح التي فيهم (عليهم السلام).و هنا يحتمل وجوها:" الأول": أن يكون المراد به الملك كما صرح به في بعض الأخبار و سمي بروح الإيمان، لأنه مؤيد له و سبب لبقائه فكأنه روحه و به حياته.الثاني: أن يراد به العقل فإنه أيضا كذلك، و متى لم يغلب الهوى و الشهوات النفسانية العقل لم يرتكب الخطيئة، فكان العقل يفارقه في تلك الحالة.الثالث: أن يراد به الروح الإنساني من حيث اتصافه بالإيمان فإنها من هذه الجهة روح الإيمان، فإذا غلبها الهوى و لم يعمل بمقتضاها فكأنها فارقته.الرابع: أن يراد به قوة الإيمان و كماله و نوره فإن كمال الإيمان باليقين و اليقين بالله و اليوم الآخر لا يجتمع مع ارتكاب الكبائر و الذنوب الموبقة، فمفارقته الْإِيمَانِ لَا تَفْعَلْ وَ قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ افْعَلْ وَ إِذَا كَانَ عَلَى بَطْنِهَا نُزِعَ مِنْهُ رُوحُ الْإِيمَانِكناية عن ضعفه فإذا ندم بعد انكسار الشهوة مما فعل و تفكر في الآخرة و بقائها و شدة عقوباتها، و خلوص لذاتها، يقوى يقينه فكأنه يعود إليه.الخامس: أن يراد به نفس الإيمان، و تكون الإضافة للبيان فإن الإيمان الحقيقي ينافي ارتكاب موبقات المعاصي كما أشير إليه بقولهم (عليهم السلام): لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن، فإن من آمن و أيقن بوجود النار و إيعاد الله تعالى على الزنا أشد العذاب فيها كيف يجترئ على الزنا و أمثالها، إذ لو أو عده بعض الملوك على فعل من الأفعال ضربا شديدا أو قتلا بل ضربا خفيفا أو إهانة، و علم أن الملك سيطلع عليه لا يرتكب هذا الفعل، و كذا لو كان صبي من غلمانه أو ضعيف من بعض خدمه فكيف الأجانب حاضرا، لا يفعل الأمور القبيحة، فكيف يجتمع الإيمان بأن الملك القادر القاهر الناهي الآمر مطلع على السرائر و لا تخفى عليه الضمائر مع ارتكاب الكبائر بحضرته، و هل هذا إلا من ضعف الإيمان؟و لذا قيل: الفاسق إما كافر أو مجنون.السادس: أن يقال في الكافر ثلاثة أرواح هي موجودة في الحيوانات، و هي الروح الحيوانية و القوة البدنية و القوة الشهوانية فإنهم ضيعوا الروح التي بها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان و جعلوها تابعة للشهوات النفسانية و القوي البهيمية فإما أن تفارقهم بالكلية كما قيل، أو لما صارت باطلة معطلة فكأنها فارقتهم و لذا قال تعالى:" ﴿إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾" و في المؤمنين أربعة أرواح فإنه يتعلق بهم روح يصيرون به أحياء بالحياة المعنوية الأبدية، فهي مع الأرواح البدنية تصير أربعا، و في الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) روح خامس هو روح [الحديث 3]3 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ وَ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَكُ فَيُؤَيِّدُ اللَّهُالقدس كما سيأتي تفصيله.و هذا على بعض الوجوه قريب من الوجه الثالث. و الحاصل أن الإنسان في بدو الأمر عند كونه نطفة جماد و لها صورة جمادية ثم يترقى إلى درجة النباتات فتتعلق به نفس نباتية ثم يترقى إلى أن يتعلق به نفس حيوانية هي مبدء للحس و الحركة، ثم يترقى إلى أن يتعلق به روح آخر هو مبدء الإيمان و منشأ سائر الكمالات، ثم يترقى إلى أن يتعلق به روح القدس فيحيط بجميع العوالم و يصير محلا للإلهامات الربانية، و الإفاضات السبحانية.و قال بعضهم بناء على القول بالحركة في الجوهر: أن الصورة النوعية الجمادية المنوية تترقى و تتحرك إلى أن تصير نفسا نباتية ثم تترقى إلى أن تصير نفسا حيوانية و روحا حيوانيا ثم تترقى إلى أن تصير نفسه مجردة على زعمه مدركة للكليات، ثم تترقى إلى أن تصير نفسا قدسيا و روح القدس، و على زعمه يتحد بالعقل.هذا ما حضرني مما يمكن أن يقال في حل هذه الأخبار باختلاف مسالك العلماء و مذاهبهم في تلك الأمور، و الأول أظهر على قواعد متكلمي الإمامية و ظواهر الأخبار، و الله المطلع على غوامض الأسرار و حججه (صلوات الله عليهم) ما تعاقب الليل و النهار، و أقول: البارز في قوله (عليه السلام): على بطنها راجع إلى المرأة المزني بها في الزنا، ذكره على سبيل المثال.و قوله: في جوفه، تأكيد لئلا يتوهم أن المراد بهما الأذنان اللتان في الرأس لأن لهما أيضا طريقا إلى القلب، و قال البيضاوي:" مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ" أي الوسوسة الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُكالزلزال بمعنى الزلزلة، و أما المصدر فبالكسر كالزلزال، و المراد به الموسوس سمي به مبالغة" الْخَنّٰاسِ" الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه" ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّٰاسِ﴾" إذا غفلوا عن ذكر ربهم، و ذلك كالقوة الوهمية فإنها تساعد العقل في المقدمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست و أخذت توسوسه و تشككه" مِنَ الْجِنَّةِ وَ النّٰاسِ" بيان للوسواس أو للذي أو متعلق بيوسوس أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة و الناس، و قيل: بيان للناس، على أن المراد به ما يعم القبيلتين و فيه تعسف إلا أن يراد به الناسي كقوله:" يَوْمَ يَدْعُ الدّٰاعِ" فإن نسيان حق الله يعم الثقلين.و قال الطبرسي (قدس سره): فيه أقوال: أحدها: أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة، و الوسواس حديث النفس بما هو كالصوت الخفي، و أصله الصوت الخفي و الوسوسة كالهمهمة، و منه قولهم: فلان موسوس إذا غلب عليه ما يعتريه من المرة يقال: وسوس يوسوس وسواسا و وسوسة و توسوس، و الخنوس:الاختفاء بعد الظهور، خنس يخنس، و ثانيها: أن معناه من شر ذي الوسواس و هو الشيطان كما جاء في الأثر أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس، ثم وصفه الله تعالى بقوله:" ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّٰاسِ﴾" أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع، ثم ذكر أنه من الجنة و هو الشياطين، و الناس عطف على الوسواس، و ثالثها: أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله:من الجنة و الناس. فوسواس الجنة هو وسواس الشيطان.و في وسواس الإنس وجهان: أحدهما أنه وسوسة الشيطان من نفسه، و الثاني..........إغواء من يغويه من الناس، و يدل عليه شياطين الإنس و الجن فشيطان الجن يوسوس و شيطان الإنس يأتي علانية، و يرى أنه ينصح و قصده الشر قال مجاهد:الخناس الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس و انقبض، و إذا لم يذكر الله سبحانه انبسط على القلب، و يؤيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله): أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله سبحانه خنس و إن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس، و قيل: الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور و هو المستتر المختفي عن أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين، و قيل: إن المعنى يلقي الشغل في قلوبهم بوسواسه، و المراد أن له رفقا به يوصل الوسواس إلى الصدر و هو أعزب من خلوصه بنفسه إلى الصدر.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور