⟨مِنْ ذَلِكَ يَا إِلَهِي غِنًى عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ وَ بَلَاغاً أَنَالُ بِهِ رِضْوَانَكَ وَ أَعُوذُ بِكَ يَا إِلَهِي مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَ شَرِّ مَا فِيهَا لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا عَلَيَّ سِجْناً وَ لَا فِرَاقَهَا عَلَيَّ حُزْناً أَخْرِجْنِي مِنْ فِتْنَتِهَا مَرْضِيّاً عَنِّي مَقْبُولًا فِيهَا عَمَلِي إِلَى دَارِ الْحَيَوَانِ وَ مَسَاكِنِ⟩
من غير أن تترفني الحر للتحرز عن الضيق و الشدة و ترك حقوق الناس بالطغيان و التكبر و نحوهما فلا تكرار، أعني من ذلك يا إلهي غنى عن شرار خلقك قيل من للبدلية و ذلك إلى الإقلال أو إلى كل من الإقلال و الإكثار، و قيل ذلك إشارة إلى حلال رزقك أو إلى سبب فضلك، و لكل وجه" و الشرار" جمع شرير كفصال جميع فصيل، و قيل: إنما طلب الغناء عن الشرار لأن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض في أمير المبدأ و المعاد و المعاش و ليس لأحد منهم غنى عن الآخر بالكلية فغاية المرام طلب الغناء عن اللئام و الشرار دون الكرام و الأخيار." و بلاغا أنال به رضوانك" قيل: نيل الرضوان بالطاعة، و الطاعة بالقدرة و القدرة بالبلاغ، و هو قدر ما يكفي في التعيش و البقاء من غير زيادة و نقصان، و لذلك طلبه لتحصيل الغايات المذكورة. قوله" و ما فيها" العطف للتفسير، أو المراد بشر الدنيا شر متاعها و زينتها الخادعة، أو شر النوازل و النوائب الموجعة و بشر ما فيها شر الفسقة و الظلمة" لا تجعل على الدنيا سجنا" بضنك العيش و كثرة المصائب و الفتن" و لا فراقها على حزنا" بشدة التعلق بها و الحب لها لجمع زخارفها و إنما فصل الفقرتين لكونهما مؤكدتين للسابق من الاستعاذة من شر الدنيا و شر ما فيها، أو ما طلبه من الكفاف محترزا من الإكثار و الإقلال" أخرجني من فتنتها" و هي كلما يشغل القلب عن ذكر الله أو محنة التكاليف و كثرة البلايا اللازمة للدنيا و إنما فصله لأنه تأكيد لما مر في الدعاء الجامع الشبيه بهذا الدعاء في التهذيب أجرني من فتنتها و اجعل عملي فيها مقبولا و سعى فيها مشكورا مرضيا، عنى الظرف نائب مناب الفاعل و هو ما بعده حالان عن مفعول أخرجني" إلى دار الحيوان" الْأَخْيَارِ وَ أَبْدِلْنِي بِالدُّنْيَا الْفَانِيَةِ نَعِيمَ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَزْلِهَا وَ زِلْزَالِهَا وَ سَطَوَاتِ شَيَاطِينِهَا وَ سَلَاطِينِهَا وَ نَكَالِهَا وَ مِنْ بَغْيِ مَنْ بَغَى عَلَيَّ فِيهَامتعلق بأخرجني، و في القاموس الحيوان محركة خلاف الموتان و المراد بها الجنة فإن الحياة الحقيقية فيها و في بعض النسخ إلى دار الخلود و مساكن الأخيار أي الجنة أو أعالي درجاتها." و أبدلني بالدنيا الفانية" في القاموس بدل الشيء محركة الخلف منه و أبدله منه اتخذه بدلا منه، و قيل: قوله أبدلني من باب الحذف و الإيصال أي أبدل لي- و الباء- بمعنى من، و الحروف الجارة قد تقع بعض منها في موضع آخر و المطلوب هو التوفيق لرفع زوائد الدنيا و العمل بها يوجب نعيم الآخرة انتهى.و أقول: الباء للعوض و هو مثل قوله تعالى (وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) و قوله (﴿عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً﴾) و قوله (لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) و قال في المصباح: أبدلته بكذا إبدالا نحيت الأول و جعلت الثاني مكانه، و بدلته تبديلا بمعنى غيرت صورته تغييرا، و بدل الله السيئات حسنات يتعدى إلى مفعولين بنفسه لأنه بمعنى جعل و صير و قد استعمل أبدل بالألف مكان بدل بالتشديد فعدي بنفسه إلى مفعولين لتقارب معناهما و في السبعة (﴿عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً﴾) من أفعل و فعل اللهم إني أعوذ بك من أزلها و زلزالها في القاموس الأزل الضيق و الشدة، و بالكسر الكذب و الداهية، و قال: زلزلة زلزلة و زلزالا مثلثة حركة و الزلازل البلايا، و قال: سطا عليه و به سطوا و سطوة صال أو قهر بالبطش و قال: نكل به تنكيلا صنع به صنيعا يحذر غيره، أو نكله نحاه عما قبله، و النكال ما نكلت به غيرك كائنا ما كان، و بغى عليه بغيا علا و ظلمه و عدل عن الحق اللَّهُمَّ مَنْ كَادَنِي فَكِدْهُ وَ مَنْ أَرَادَنِي فَأَرِدْهُ وَ فُلَّ عَنِّي حَدَّ مَنْ نَصَبَ لِي حَدَّهُ وَ أَطْفِ عَنِّي نَارَ مَنْ شَبَّ لِي وَقُودَهُ وَ اكْفِنِي مَكْرَ الْمَكَرَةِ وَ افْقَأْ عَنِّي عُيُونَ الْكَفَرَةِ وَ اكْفِنِيو استطال" من كادني فكده" الكيد المكر و الخبث و الخديعة و الحلية، و المراد بكيده تعالى الجزاء من باب المشاكلة" و من أرادني" أي بالسوء" فأرده" بالدفع أو بإيصاله إليه و الجزاء له على نحو ما مر، و الفل بالفتح الكسر و الثلم و فعله كمد و الحد الحدة و السورة و طرف السيف و السكين و مثله و حددت السكين رققت حده و أحددته جعلت له حدا ففي الكلام استعارة مكنية و تخييلية و كذا الفقرة الآتية" و أطف عني نار من شب لي وقوده" قال في المصباح طفأت النار تطفأ بالهمز من باب تعب طفوءا على فعول خمدت و أطفأتها و أطفأت الفتنة إذا سكنتها على الاستعارة و قال شبت تشب توقدت و يتعدى بالحركة فيقال شببتها أشبها من باب قتل إذا أذكيتها، و قال وقدت النار وقدا من باب وعد و وقودا، و الوقود بالفتح الحطب و أوقدتها إيقادا و منه على الاستعارة (﴿كُلَّمٰا أَوْقَدُوا نٰاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّٰهُ﴾) أي كلما دبروا مكيدة و خديعة أبطلها، و توقدت النار و اتقدت و الوقد بفتحتين النار نفسها انتهى.و ضمير" وقوده" للموصول و لما عرفت أن شب يأتي لازما و متعد فيمكن أن يقرأ وقوده بفتح الواو بالنصب و بالرفع فتدبر، و أستعير النار للصفات الذميمة للعدو من الحقد و الحسد و الغضب و تدبير السوء" و اكفني مكر المكرة" أي ادفع عني مكرهم و كن كافيا لي في ذلك ففيه إظهار للعجز و تفويض للأمر إليه، و في المصباح كفى الشيء يكفي كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره، و منه (كَفَى اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتٰالَ) أي أغناهم عن القتال، و في القاموس فقأ العين و البثرة و نحوها كمنع كسرها أو قلعها أو نجفها أي كفقاها فانفقأت و تفقأت انتهى و تعديته بعن لتضمين معنى الدفع، و هو كناية عن صرف عيونهم عنه، أو إذلالهم أو هَمَّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَيَّ هَمَّهُ وَ ادْفَعْ عَنِّي شَرَّ الْحَسَدَةِ وَ اعْصِمْنِي مِنْ ذَلِكَ بِالسَّكِينَةِدفع ضرر عيونهم عنه، و في التهذيب عيون الكفرة الظلمة الطغاة الحسدة اللهم صل على محمد و آل محمد و أنزل علي منك سكينة إلى آخره." و اكفني هم من أدخل على همه" هذه الفقرة يحتمل وجهين. الأول: أن يكون المراد بالهم الحزن و الغم و الإضافة إلى الموصول إضافة إلى السبب و إلى الضمير يحتمل أن يكون إضافة إلى السبب أيضا و أن تكون من إضافة المصدر إلى المحل كان يكون رجل مبتلى بالفقر مهتما بذلك ثم أخذ بالظلم مالا من غني فصيره فقيرا مبتلى ببلائه و صار غنيا بماله.و الثاني: أن يكون المراد بالهم القصد و على للضرر و المطلوب صرف قصده و إرادته عنه" و ادفع عني شر الحسدة" الحاسد يتمنى زوال النعمة عن الغير بالوصول إليه أو مطلقا و هو بتلك الخصلة الذميمة يتفكر في كيفية الإزالة و يتدبر في كل سبب من أسبابها و يتوسل بكل شيء من كل وجه و ينبعث من ذلك شرور غير محصورة توجب خراب الديار و الأعمار و الأعمال من غير أن يكون للمحسود شعور بذلك، فالالتجاء إليه تعالى لدفع شره من أهم الأمور و أوجبها." و اعصمني من ذلك بالسكينة" هذا يحتمل وجوها.الأول: أن يكون المعنى كما سألتك الاستعاذة عن شر الحاسدين لي أسألك أن تعصمني من أن أحسد غيري فإن ذلك أضر و الاستعاذة منه أهم و ذلك العصمة بأن تلقى في قلبي سكينة و طمأنينة بذكر الله فلا أتعرض لأحوال الخلق، أو بأن تلقى اليقين في قلبي" حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي" و لا يصير سلب النعمة عن المحسود سببا لزيادة رزقي و جاهي و غير ذلك و لا يصير حسدي سببا لسلب ذلك عنه، أو بسكون قلبي إلى نعيم الآخرة و إخراج حب الدنيا منه فإن أقوى بواعث الحسد حب الدنيا، و نزوع النفس إلى شهواتها فإذا عرف خسة لذات الدنيا وَ أَلْبِسْنِي دِرْعَكَ الْحَصِينَةَ وَ اخْبَأْنِي فِي سِتْرِكَ الْوَاقِي وَ أَصْلِحْ لِي حَالِي وَ صَدِّقْ قَوْلِيو شهواتها و رفعة نعيم الآخرة و درجاتها لا يبالي من أكل الدنيا.الثاني: أن يكون تأكيدا للفقرة السابقة أي و اعصمني من شر حسد الحاسدين باطمينان قلبي بالتوكل على الله و التفويض إليه و عدم الاعتناء بشأن الحسد فإن غالب تأثير الحسد في العين، و ورد أن علاجه التوكل، و قد جرب أن من لا يعتني بها لا تضره و من تزلزلت نفسه بها أثرت فيه، أو التوسل بذكره تعالى و الأدعية و التعويذات تدفعه، و هو المراد بالسكينة.الثالث: أن تكون الباء للملابسة أي تكون عصمتي من حسد الغير، أو الحسد للغير متلبسا بالسكينة إذ يمكن أن تكون العصمة عن الحسد أو شره مع تزلزل الخاطر و عدم طمأنينة النفس.الرابع: ما قيل أن المعنى اعصمني من ذلك بما يسكن قلبي من شره، و لعل المقصود بالفقرة الأولى سلب إرادة الحاسد من إيصال المكروه إليه و بالفقرة الثانية إعطاء المحسود ما يسكن قلبه و يأمن من وصول شر الحاسد إليه" و أجنني" على بناء الأفعال بالجيم و النون المشددة، في المصباح أجنة الليل و جن عليه من باب قتل ستره، و في بعض النسخ و أحيني بالحاء المهملة و الياء المثناة التحتانية من الحياة و قيل: في الإحياء إشارة إلى أن الشرور قاتلة مهلكة" و الستر" بالكسر و هو السائر و بالفتح المصدر و الأول أنسب و الوقاية من الشرور و المكاره" و أصلح لي في حالي" أي في نفسي" و بيني و بينك و بيني و بين خلقك" و في هذه العبارة الوجيزة طلب للخيرات الدنيوية و الأخروية كلها" و صدق قولي بفعالي" فإن الأعمال شواهد على صدق الأقوال فإن من ادعى الإيمان بالجنة و النار و لم يأت منه ما يقربه من الجنة و يبعده من النار فهذا فعله مكذب لدعواه و من إياك نعبد و إياك نستعين، و هو يعبد الشيطان و النفس و الهوى و يستعين يغيره سبحانه في كل ما يعرض فهذا بِفَعَالِي وَ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَ مَالِي
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور