⟨إِلَى هَاهُنَا رِوَايَةُ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعٍ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ إِذَا نَسُوا شَيْئاً مِمَّا اشْتَرَطَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ عَصَوُا اللَّهَ فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَاسْتَغْفَرُوا وَ لَمْ يَعُودُوا إِلَى تَرْكِهِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ- وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ⟩
يَأْمُرُ بِالْحَسَنِ وَ وَاعِظٌ يَنْهَى عَنِ الْقَبِيحِ وَ مُعَزٍّ تُسَكَّنُ بِهِبما يصلحهم يتعظ هو أيضا بما يعظ غيره، فذاك واعظه، أو من يعظ رجلا على وجه النصح يؤثر فيه، و إن لم يبالغ في ذلك و لم يطل الكلام، و من لم يكن غرضه النصح لا يؤثر كثيرا، و إن أكثر و أطنب فيما يناسب المقام.قوله (عليه السلام):" و لا عقل كالتدبير" التدبير النظر في عواقب الأمور، و يطلق غالبا في الأخبار على تدبير أمر المعاش و الاقتصاد فيه، و المظاهرة: المعاونة.قوله (عليه السلام):" و لا وحشة أشد من العجب" العجب: إعجاب المرء بنفسه و بفضائله و أعماله، و هو موجب لتحقير الناس فيحترز عن مخالطة عامتهم لذلك، و موجب للترفع و التطاول عليهم، فيصير سببا لوحشة الناس عنه، و أيضا يستلزم عدم إصلاح معائبه و تدارك ما فات منه فتنقطع عنه مواد رحمة الله و لطفه و هدايته فينفرد عن ربه و عن الخلق، فلا وحشة أوحش منه.قوله (عليه السلام):" و لا ورع" إلخ هذا لبيان أن الورع عن المحارم مقدم على الورع عن الشبهات و المكروهات، فإن أكثر الناس يتنزهون عن كثير من المكروهات لإظهار الورع، و لا يبالون بارتكاب أكثر المحرمات.قوله (عليه السلام):" و لا حلم" بضم الحاء بمعنى العقل، و يحتمل الكسر أيضا و في بعض النسخ" و لا حكم" أي و لا حكمة.قوله (عليه السلام):" يفضل بين الخطاب" أي يميز الحق من الباطل، قوله:" و معز" من التعزية بمعنى التسلية. الْأَحْزَانُ وَ حَاضِرٌ تُجْلَى بِهِ الضَّغَائِنُ وَ مُونِقٌ تَلْتَذُّ بِهِ الْأَسْمَاعُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ وَ اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ لِسَانَهُ يَنْدَمْ وَ مَنْ لَا يَعْلَمْ يَجْهَلْ وَ مَنْ لَا يَتَحَلَّمْ لَا يَحْلُمْ وَ مَنْ لَا يَرْتَدِعْ لَا يَعْقِلْ وَ مَنْ لَا يَعْلَمْ يُهَنْ وَ مَنْ يُهَنْ لَا يُوَقَّرْ وَ مَنْ لَا يُوَقَّرْقوله (عليه السلام):" و حاضر تجلى به الضغائن" الضغينة الحقد أقول: هكذا فيما عندنا من النسخ، و لعل المراد أنه حاضر دائم الحضور يجلي به الضغائن عن النفس و يدفع به الخصوم، و لا يحتاج إلى عدة و مدة بخلاف سائر ما تجلى به الضغائن، من المحاربات و المغالبات، و يمكن أن يكون المراد رفع ضغينة الخصم بلين الكلام و اللطف، و يحتمل أن يكون المراد بالحاضر: القوم و الجماعة.كما قال في النهاية: في حديث عمرو بن سلمة الجرمي" كنا بحاضر يمر بنا الناس" الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به، و لا يرحلون عنه، و قال في المغرب: الحاضر و الحاضرة: الذين حضروا الدار التي بها مجتمعهم، و في تحف العقول" و حامد".قوله (عليه السلام):" و من لا يعلم يجهل" إن قرأ يعلم محمد صيغة المجرد فيمكن أن يقرأ الفعلان على المعلوم، و المراد بالجهل حينئذ مقابل العقل، أي من لا يكون عالما لا يكون عاقلا، أو المراد بالعلم الكامل منه أي ما دون كمال العلم مراتب الجهل، و يمكن أن يقرأ" يجهل" على المجهول أي العلم سبب لرفعة الذكر، و من لا يعلم يكون مجهولا خامل الذكر و يمكن أن يقرأ يعلم من باب التفعيل، إما على صيغة المعلوم أي تعليم العلم سبب لوفوره، و تركه سبب لزواله، أو على المجهول، أي طريق العلم التعلم، فمن لا يتعلم يكون جاهلا و الله يعلم.قوله (عليه السلام):" و من لا يتحلم لا يحلم" أي لا يحصل ملكة الحلم إلا بالتحلم أي يَتَوَبَّخْ وَ مَنْ يَكْتَسِبْ مَالًا مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِ أَجْرِهِ وَ مَنْ لَا يَدَعْ وَ هُوَ مَحْمُودٌ يَدَعْ وَ هُوَ مَذْمُومٌ وَ مَنْ لَمْ يُعْطِ قَاعِداً مُنِعَ قَائِماً وَ مَنْ يَطْلُبِ الْعِزَّ بِغَيْرِ حَقٍّ يَذِلَّ وَ مَنْ يَغْلِبْ بِالْجَوْرِ يُغْلَبْ وَ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ لَزِمَهُ الْوَهْنُ وَ مَنْ تَفَقَّهَ وُقِّرَ وَ مَنْ تَكَبَّرَ حُقِّرَ وَ مَنْ لَا يُحْسِنْ لَا يُحْمَدْ-تكلف الحلم بمشقة.قوله (عليه السلام):" و من لا يرتدع لا يعقل" أي من لا ينزجر عن القبائح بنصح الناصحين لا يكون عاقلا أو لا يكمل عقله، أو لا يعقل قبح القبائح، و من كان كذلك يهينه الناس و يعدونه هينا، و من كان كذلك لا يوقرونه، و إذا لم يوقروه يوبخونه على أفعاله.قوله (عليه السلام):" في غير أجره" أي فيما لا يؤجر عليه في الدنيا و الآخرة.قوله (عليه السلام):" و من لا يدع و هو محمود" أي من لا يترك القبيح بالنصح، أو بالتفكر و التنبه يدعه إما بزجر زاجر أو بالموت و لا يحمد بهذا الترك.قوله (عليه السلام):" و من لم يعط قاعدا منع قائما" الفعل الثاني على صيغة المجهول و يمكن أن يكون الأول أيضا على المجهول، أي من لم يأته رزقه بلا طلب و كد لم ينفعه الطلب و السعي، فالقيام كناية عن الطلب و السعي، و القعود عن تركهما كذا ذكره ابن أبي الحديد. أقول: و يحتمل وجوها أخر: الأول: أن يكون المراد من لم يعطه الناس مع عدم السؤال لم يعطوه إذا سأل، و قام عند غيره للسؤال.الثاني: أن يقرأ الفعل الأول على صيغة المعلوم، أي من لم يعط السؤال و المحتاجين في حالكونه قاعدا يقوم عنده الناس، و يسألونه يبتلي بأن يفتقر إلى السؤال غيره فيقوم بين يديه، و يسأله و لا يعطيه، و هو عندي أظهر الوجوه.الثالث: أن يكون قاعدا مفعول الإعطاء أي من لم يعط قاعدا زمنا محتاجا ابتلي بسؤال الناس مع الحرمان و فيه بعد.قوله (عليه السلام):" و من تكبر" أي عن طلب الفقه بقرينة المقابلة أو الأعم. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمَنِيَّةَ قَبْلَ الدَّنِيَّةِ وَ التَّجَلُّدَ قَبْلَ التَّبَلُّدِ وَ الْحِسَابَ قَبْلَ الْعِقَابِ وَ الْقَبْرَ خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ وَ غَضَّ الْبَصَرِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّظَرِ وَ الدَّهْرَ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ فَبِكِلَيْهِمَا تُمْتَحَنُ وَ فِي نُسْخَةٍ وَ كِلَاهُمَا سَيُخْتَبَرُ] أَيُّهَا النَّاسُ أَعْجَبُ مَا فِي الْإِنْسَانِ قَلْبُهُ وَ لَهُ مَوَادُّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ أَضْدَادٌ مِنْقوله (عليه السلام):" إن المنية قبل الدنية" الدنيئة مهموزا، و قد يخفف النقيصة و الحالة الخسيسة أي ينبغي تحمل الموت، و المنية قبل أن تنتهي الحال إلى الدنية كما إذا أرادك العدو فتترك الجهاد و تصير له أسيرا فالجهاد و الموت قبله أفضل من تركه إلى أن يرد عليك الدنيئة، و قيل: المراد أن المنية متقدم و خير من الدنية، فالمراد القبلية في الشرف، و فيه بعد، و يؤيد أحد المعنيين ما في نسخ نهج البلاغة" المنية و لا الدنية" كما يقولون: النار، و لا العار، و قيل: المراد أن المنية ينبغي أن يكون قبل الموت الاضطراري الذي هو الدنية، لقوله:" موتوا قبل أن تموتوا، و منهم من قرأ المنية بالتخفيف بمعنى الأمنية أي ينبغي أن تكون المني قبل العجز عن تحصيلها، و ما ذكرنا أو لا هو الظاهر كما لا يخفى.قوله (عليه السلام):" و التجلد قبل التبلد" التبلد: التردد و التحير و العجز و التجلد ضده أي ينبغي أن يكون السعي في الطاعات قبل العجز و التحير، و كذا الحساب ينبغي أن يكون في الدنيا، أي محاسبة النفس قبل حلول العقاب في الآخرة.قوله (عليه السلام):" و القبر خير من الفقر" أي الافتقار إلى الناس، لا قلة المال، فإنه ممدوح.قوله (عليه السلام):" و غض البصر" و في بعض النسخ" و عمى البصر" و لعله أظهر.قوله (عليه السلام):" فلا تبطر" البطر الطغيان عند النعمة.قوله (عليه السلام):" و له مواد من الحكمة" إلخ. قال ابن أبي الحديد: ليست الأمور التي عدها شرحا للكلام المجمل المتقدم، و إن ظن قوم أنه أراد ذلك، أ لا ترى أن خِلَافِهَا فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ وَ إِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ وَ إِنْ أُسْعِدَ بِالرِّضَىالأمور التي عدها (عليه السلام) ليس فيها شيء من باب الحكمة و خلافها، بل هو كلام مستأنف إنما هو بيان أن كل شيء مما يتعلق بالقلب يلزمه لازم آخر انتهى. و لا يخفى ضعفه، بل الظاهر أنه شرح، و يمكن أن يوجه بوجهين. أحدهما: أن يكون المراد بمواد الحكمة العدل و التوسط في الأمور الذي هو الكمال، و كل إفراط و تفريط داخل في الأضداد التي هي من الرذائل الخلقية، و بين (عليه السلام) الأضداد و نفاها، ليعلم أن الحكمة هي الوسط بينهما.قال: الأشياء إنما تعرف بأضدادها، و الثاني: أن يحمل في كل منها أحد المذكورين على ما هو الكمال.و الآخر على إفراطه المذموم، ففي الأول: الرجاء إنما وضع في النفس ليرجو الإنسان من فضله تعالى ما لا يضر في دنياه و آخرته، فإذا سنح له رجاء ينجر إلى الإفراط فيطمع فيما لا حاجة له إليه في دنياه، و ممن لا ينبغي الطمع منه من المخلوقين العاجزين فيحصل فيه رذيلة الحرص. و قد يترك الرجاء رأسا فينتهي إلى اليأس من روح الله فيموت أسفا على ما فات منه لفقد رجاء التدارك من فضله تعالى فعلى الأول الرجاء هو القدر الباطل منه، و على الثاني المراد الوسط الممدوح، و الثاني هنا أظهر.قوله (عليه السلام):" و إن أسعد بالرضا" و في نهج البلاغة" إن أسعده الرضا" و على الأول تكون الملكة المحمودة الحالة المتوسطة التي هي عدم الإفراط في الرضا، و عدم التفريط بالغضب و هي المسمى بالعدل، و رعاية الحق في الأمور، بأن لا يدعوه رضاه [مرضات] عن أحد و لا سخطه [و السخيمة] عن آخر إلى الخروج عن الإنصاف و العدل، فإن أسعده الرضا الذي هو المطلوب نسي أن يتحفظ و يربط نفسه على الحق، فيطغى رضاه عن أخيه في الدين أو قرابته و حميمه إلى أن يرتكب خلاف الحق لأجله، و كذا الغض [الغضب] عن نَسِيَ التَّحَفُّظَ وَ إِنْ نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَذَرُ وَ إِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْنُ اسْتَلَبَتْهُ الْعِزَّةُ فِي نُسْخَةٍ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ] وَ إِنْ جُدِّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ وَ إِنْ أَفَادَ مَالًا أَطْغَاهُ الْغِنَى وَ إِنْ عَضَّتْهُ فَاقَةٌ شَغَلَهُ الْبَلَاءُ فِي نُسْخَةٍ جَهَدَهُ الْبُكَاءُ] وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ وَ إِنْ أَجْهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ وَ إِنْ أَفْرَطَ فِي الشِّبَعِ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ فَلَّ ذَلَّ وَ مَنْ جَادَ سَادَ وَ مَنْ كَثُرَ مَالُهُ رَأَسَ وَ مَنْ كَثُرَ حِلْمُهُخلاف الحق داخل في العدل ممدوح، و إفراطه ينتهي إلى الحمية و العصبية، و على الثاني يكون الغرض بيان الرضا و الغضب الممدوحين و المذمومين و كذلك في سائر الفقرات.قوله (عليه السلام):" شغله الحذر" أي شغله شدة الخوف عن العمل لرفع ما يخاف منه فينجر إلى اليأس، أو المراد شغله عن الحذر، الخوف من مخاوف الدنيا و المراد يشغله الحذر عن مخاوف الدنيا عن العمل للآخرة، و لعل الأخير أظهر، و العزة: الاغترار و الغفلة، أو العزة: التكبر و الغلبة، و على الثاني يومئ إلى قوله تعالى:" أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ".قوله (عليه السلام):" و إن عضته" العض المسك بالأسنان، و في بعض النسخ بالظاء المعجمة، وعظ الزمان و الحرب شدتهما و في النهج بالضاد و هو أظهر.قوله (عليه السلام):" كظته البطنة" قال الجوهري: الكظة بالكسر: شيء يعتري الإنسان عن الامتلاء من الطعام، يقال كظة كظا و كظني هذا الأمر أي جهدني من الكرب، و قال: البطنة: الكظة.قوله (عليه السلام):" من قل ذل" أي من قل في الإحسان و الجود أو في كل ما هو كمال إما في الآخرة أو في الدنيا، فهو ذليل، أو من قل أعوانه ذل.قوله (عليه السلام):" و من كثر ماله رأس" بفتح الهمزة أي هو رئيس للقوم. نَبُلَ وَ مَنْ أَفْكَرَ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَزَنْدَقَ وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ وَ مَنْ كَثُرَ مِزَاحُهُ اسْتُخِفَّ بِهِ وَ مَنْ كَثُرَ ضِحْكُهُ ذَهَبَتْ هَيْبَتُهُ فَسَدَ حَسَبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَدَبٌ إِنَّ أَفْضَلَ الْفِعَالِ صِيَانَةُ الْعِرْضِ بِالْمَالِ لَيْسَ مَنْ جَالَسَ الْجَاهِلَ بِذِي مَعْقُولٍ مَنْ جَالَسَ الْجَاهِلَ فَلْيَسْتَعِدَّ لِقِيلٍ وَ قَالٍ لَنْ يَنْجُوَ مِنَ الْمَوْتِ غَنِيٌّ بِمَالِهِ وَ لَا فَقِيرٌ لِإِقْلَالِهِ أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ أَنَّ الْمَوْتَ يُشْتَرَى لَاشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا الْكَرِيمُ الْأَبْلَجُ وَ اللَّئِيمُ الْمَلْهُوجُقوله (عليه السلام):" و من كثر حلمه نبل" النبالة: الفضل و الشرف، و الفعل نبل بضم الباء.قوله (عليه السلام):" و من أفكر" إلخ. أفكر في الشيء و فكر فيه و تفكر، بمعنى و تزندق أي صار زنديقا و يطلق الزنديق على الثنوي و على المنكر للصانع و على كل ملحد كافر.قوله (عليه السلام):" بذي معقول" قال الجوهري: عقل يعقل عقلا و معقولا أيضا و هو مصدر، و قال سيبويه: هو صفة، و كان يقول إن المصدر لا يأتي على وزن مفعول البتة، و يتأول المعقول فيقول كأنه عقل له شيء أي حبس و أيد و شدد.قوله (عليه السلام):" لقيل و قال" قال الفيروزآبادي: القول في الخير، و القال و القيل و القالة في الشر أو القول مصدر، و القال و القيل: اسمان له، و القال الابتداء، و القيل بالكسر الجواب.قوله (عليه السلام):" لو أن الموت يشتري" إلخ، الأبلج الوجه: مشرقه، و الأبلج هو الذي قد وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، و هذه من علامات اليمن و البركة و الكرم في المشهور، و الملهوج لم يأت في اللغة، و اللهج بالشيء الولوع به، و هو لازم. نعم قال الجوهري: شواء ملهوج بضم الميم و فتح اللام و الواو إذا لم ينضج، و هو لا يناسب المقام إلا بتكلف، و الظاهر أن المراد به الحريص، و يمكن أن يوجه حاصل هذا الكلام بوجوه. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَوَاهِدَ تُجْرِي الْأَنْفُسَ عَنْ مَدْرَجَةِ أَهْلِ التَّفْرِيطِ وَ فِطْنَةُ الْفَهْمِ لِلْمَوَاعِظِ مَا يَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْحَذَرِ مِنَ الْخَطَرِ وَ لِلْقُلُوبِ خَوَاطِرَ لِلْهَوَى وَ الْعُقُولُ تَزْجُرُ وَ تَنْهَى وَ فِي التَّجَارِبِ عِلْمٌ مُسْتَأْنَفٌ وَ الِاعْتِبَارُ يَقُودُ إِلَى الرَّشَادِ وَ كَفَاكَالأول: أن يكون المراد أنه لو كان الموت مما يمكن أن يشتري لاشتراه الكريم لشدة حرصه في الكرم و قلة بضاعته، كما هو الغالب في أصحاب الكرم، فلا يجد ما يجود به و هو محزون دائما لذلك، و يتمنى الموت و يشتريه إن وجده، و اللئيم يشتريه لأنه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه، و قد ينقص من ماله شيء بالضرورة و هو مخالف لسجيته، و يرى الناس في نعمه فيحسدهم عليها، فهو في شدة لازمة لا ينفك عنها بدون الموت فيتمناه.الثاني: أن يكون المراد أنه يشتري الكريم لنفسه ليتخلص منه البائع، و اللئيم لأنه حريص على جمع جميع الأشياء حتى الموت.الثالث: أن يقال: أنه يشتري الكريم ليرفع الموت من بين الخلق، و اللئيم ليميت جميعهم و يستبد بأموالهم، قوله (عليه السلام):" عن مدرجة" قال الجوهري: المدرجة: المذهب و المسلك، و الحاصل أن للقلوب شواهد مما يفيض عليها من أنوار حكمة الله، أو مما جبلها الله عليه من معرفة الحق أو مما يشاهده و يعتبر به في عالم الخلق تجري تلك الشواهد، و تخرج الأنفس عن مسالك أهل التقصير في العبادة إلى منازل المتعبدين و درجات المقربين.قوله (عليه السلام):" و فطنة الفهم" يحتمل أن يكون مبتدأ و خبره قوله:" ما يدعو" بأن تكون ما موصولة، أو يكون مع خبره ما مطرفا فتنحسب عليه كلمة" إن" أي إن فطنة الفهم هي ما يدعو النفس إلى الحذر من مخاطرات الآخرة لا مجرد فهمها مع عدم العمل بها. و يحتمل أن يكون معطوفا على قوله" شواهد" أي إن للقلوب فطنة الفهم للمواعظ ما دام يدعو النفس أو مقدار ما يدعو النفس إلى الحذر و الله أعلم. أَدَباً لِنَفْسِكَ مَا تَكْرَهُهُ لِغَيْرِكَ وَ عَلَيْكَ لِأَخِيكَ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ لَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ وَ التَّدَبُّرُ قَبْلَ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ وَ مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَإِ وَ مَنْ أَمْسَكَ عَنِ الْفُضُولِ عَدَلَتْ رَأْيَهُ الْعُقُولُ وَ مَنْ حَصَّنَ شَهْوَتَهُ فَقَدْ صَانَ قَدْرَهُ وَ مَنْ أَمْسَكَ لِسَانَهُ أَمِنَهُ قَوْمُهُ وَ نَالَ حَاجَتَهُ وَ فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ وَ الْأَيَّامُ تُوضِحُ لَكَ السَّرَائِرَ الْكَامِنَةَ وَ لَيْسَ فِي الْبَرْقِ الْخَاطِفِ مُسْتَمْتَعٌقوله (عليه السلام):" و العقول" تزجر و تنهى أي عن خواطر الهوى.قوله (عليه السلام):" ما تكرهه لغيرك" و في نهج البلاغة" اجتناب ما تكرهه" و هو المراد، أو المعنى كفاك مؤدبا لنفسك ملاحظة ما تكرهه لغيرك و التأمل فيها.قوله (عليه السلام):" مثل الذي لك عليه" أي ينبغي أن تفعل به ما تأمل و ترجو منه.قوله (عليه السلام):" لقد خاطر" في الأخبار الآخر" خاطر بنفسه" و هو مراد هيهنا، قال الجوهري: الخطر: الإشراف على الهلاك، يقال: خاطر بنفسه.قوله (عليه السلام):" و التدبر قبل العمل" أي يجب أن يكون التدبر قبل العمل ليؤمن من
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور