⟨و روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن وكيع عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن أبي الأعز عن سلمان الفارسي⟩
قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) جالس في أصحابه إذ قال إنه يدخل عليكم الساعة شبيه عيسى بن مريم، فخرج بعض من كان جالسا مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ليكون هو الداخل، فدخل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال الرجل لبعض أصحابه: أما رضي محمد أن فضل عليا علينا حتى يشبهه بعيسى بن مريم، و الله لآلهتنا التي كنا نعبدها في الجاهلية أفضل منه، فأنزل الله في ذلك المجلس و لما ﴿ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه﴾ يضجون: فحرفوها" يصدون" و قالوا" آلِهَتُنٰا ﴿خَيْرٌ أَمْ هُوَ مٰا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلّٰا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾" عليا" إِنْ هُوَ إِلّٰا عَبْدٌ" إن علي إلا عبد" أَنْعَمْنٰا عَلَيْهِ وَ جَعَلْنٰاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرٰائِيلَ" فمحا اسمه عن هذا الموضع، ثم ذكر الله خطر أمير المؤمنين، فقال" وَ إِنَّهُ ﴿لَعِلْمٌ لِلسّٰاعَةِ فَلٰا تَمْتَرُنَّ بِهٰا﴾ وَ اتَّبِعُونِ هٰذٰا صِرٰاطٌ مُسْتَقِيمٌ" يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) فهذا الخبر المروي من رجال العامة يؤيد التفسير الوارد في هذا الخبر و يبينه، و على هذا فيكون المراد بقوله" مٰا ضَرَبُوهُ لَكَ" تفضيل الآلهة فإنه تشبيه مع تفضيل، و قوله" وَ جَعَلْنٰاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرٰائِيلَ" أي شبيها بنبي بني إسرائيل، و هو عيسى (عليه السلام) و قوله:" وَ لَوْ نَشٰاءُ لَجَعَلْنٰا مِنْكُمْ" أي من بني هاشم" مَلٰائِكَةً" أي أئمة كالملائكة في التقدس و الطهارة، و العصمة" فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ" أي يكونوا خلفاء في الأرض و لعل كلمة" لو" استعمل على هذا التفسير مقام" إذا" أي متى تعلقت مشيتنا و أردنا، نجعل في الأرض منهم خلفاء.قوله:" هرقلا بعد هرقل" بكسر الهاء و القاف اسم ملك الروم أي ملكا بعد ملك، و كأنه عبر عنهم هكذا كفرا و عنادا و إظهارا لبطلانهم قوله تعالى:" وَ مٰا ﴿عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ السَّمٰاءِ أَوِ ائْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ﴾فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَقَالَةَ الْحَارِثِ وَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَثُمَّ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ عَمْرٍو إِمَّا تُبْتَ وَ إِمَّا رَحَلْتَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ بَلْ تَجْعَلُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ شَيْئاً مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ بَنُو هَاشِمٍ بِمَكْرُمَةِ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَلْبِي مَا يُتَابِعُنِي عَلَى التَّوْبَةِ وَ لَكِنْ أَرْحَلُ عَنْكَ فَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا فَلَمَّا صَارَ بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أَتَتْهُ جَنْدَلَةٌ فَرَضَخَتْ هَامَتَهُ ثُمَّ أَتَى الْوَحْيُ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالَ ﴿سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ لِلْكٰافِرينَ﴾بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ ﴿لَيْسَ لَهُ دٰافِعٌ مِنَ اللّٰهِ ذِي الْمَعٰارِجِ﴾قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا لَا نَقْرَؤُهَا هَكَذَا فَقَالَ هَكَذَا وَ اللَّهِكٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ" يحتمل أن يكون المراد ترك عذاب الاستئصال ببركته (صلى الله عليه و آله و سلم): فلا ينافي ورود هذا العذاب عليه.و يحتمل أن يكون المراد بأول الآية نفي عذاب الاستئصال، و بقوله:" وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" نفي العذاب الوارد على الأشخاص، فلذا أمره (صلى الله عليه و آله و سلم) بالتوبة لرفعه، فلما لم يتب نزل عليه.قوله:" جندلة" أي حجارة.قوله (عليه السلام):" فرضت" و في بعض النسخ فرضخت و الرض: الدق، و الرضخ، الكسر و الدق.قوله تعالى:" سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ" أي دعا داع به بمعنى استدعائه، و لذلك عدي الفعل بالباء قال البيضاوي: السائل نضر بن الحرث، فإنه قال" ﴿إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً﴾" و أبو جهل فإنه قال:" ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنٰا كِسَفاً مِنَ السَّمٰاءِ﴾" سأله استهزاء: أو الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) استعجل بعذابهم. قوله تعالى:" ذِي الْمَعٰارِجِ" أي ذي المصاعد، و هي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب و العمل الصالح، أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم، أو في دار ثوابهم أو مراتب الملائكة أو في السماوات، فإن الملائكة يعرجون فيها. نَزَلَ بِهَا جَبْرَئِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ هَكَذَا هُوَ وَ اللَّهِ مُثْبَتٌ فِي مُصْحَفِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ انْطَلِقُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَقَدْ أَتَاهُ مَا اسْتَفْتَحَ بِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ[تأويل قوله تعالى ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ الحديث 19]19 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰاقوله (عليه السلام):" إنا لا نقرؤها هكذا" كأنه سقط من بين الآية شيء، و قد روي هذا الخبر في الأصول عن محمد بن سليمان بسند آخر هكذا علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى:" ﴿سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ لِلْكٰافِرينَ﴾" بولاية علي" لَيْسَ لَهُ دٰافِعٌ" ثم قال:هكذا و الله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه و آله و سلم).قوله تعالى:" وَ اسْتَفْتَحُوا" ظاهر الخبر أن المراد بالاستفتاح استفتاح العذاب و قال البيضاوي: أي سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم و بين أعاديهم من الفتاحة كقوله" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَ قَوْمِنٰا بِالْحَقِّ".قوله تعالى:" ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ" قال البيضاوي: كالقحط و الموتان، و كثرة الحرق و الغرق و محق البركات، و كثرة المضار أو الضلالة و الظلم، و قيل:المراد بالبحر: قرى السواحل، و قرى البحور" بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي النّٰاسِ" بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه، و قيل: ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه، و في البحر بأن جلندا كان" يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً" انتهى.و قال البغوي: أراد بالبر البوادي و المفاوز، و بالبحر المدائن و القرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة: تسمى العرب المصر بحرا، و قال عطية البر ظهر الأرض و البحر هو البحر المعروف، و قلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر، فتخلوا أجواف الأصداف، لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر، و يفتح فاه فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا، و قال ابن عباس و مجاهد و ضحاك: كانت كَسَبَتْ أَيْدِي النّٰاسِقَالَ ذَاكَ وَ اللَّهِ حِينَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ- مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ[تفسير قوله تعالى وَ لٰا ﴿تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلٰاحِهٰا﴾ الحديث 20]20 وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لٰا ﴿تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلٰاحِهٰا﴾قَالَ فَقَالَ يَا مُيَسِّرُ إِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ فَاسِدَةً فَأَصْلَحَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِنَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالَ وَ لٰا ﴿تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلٰاحِهٰا﴾الأرض خضرة مؤنقة لا يأتي الرجل شجرة إلا وجد عليها ثمرة، و كان ماء البحر عذبا، و كان لا يقصد الأسد البقر و لا الغنم، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض و شاكت الأشجار و صار ماء البحر ملحا، و قصد الحيوان بعضها بعضا.قوله:" حين قالت الأنصار" إلخ. لعل. المراد غصب الخلافة، أو قول هذه الكلمة القبيحة و تركهم خليفة الرسول، و صار ترك خليفة الحق سببا للضلال الساري في البر و البحر، أي المحيط بجميع العالم، و بسبب عدم استيلاء أهل الحق و العدل فشى الجور في البراري و البحار بالظلم، و الغصب و النهب، و بسبب استيلاء أهل الباطل منعت بركات السماء و الأرض عن العباد كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):" بنا يفتح الله و بنا يختم الله و بنا يمحو ما يشاء، و بنا يثبت، و بنا يدفع الزمان الكلب و بنا ينزل الغيث، فلا يغرنكم بالله الغرور، ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عز و جل، و لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، و لا خرجت الأرض نباتها و لذهبت الشحناء من قلوب العباد، و اصطلحت السباع و البهائم حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات و على رأسها زبيلها لا يهيجها سبع و لا تخافه.الحديث العشرون: صحيح على الظاهر، إذ الظاهر أن محمد بن علي هو ابن محبوب، و يحتمل أبا سمينة فيكون ضعيفا.قوله (عليه السلام):" كانت فاسدة" أي بالكفر و الجهل و الضلال و الظلم و الجور. خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) [في التحذير من اتباع الهوى و طول الأمل الحديث 21]21 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ خَلَّتَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ إِنَّ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ وَ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث الحادي و العشرون:الخبر مختلف فيه بسليم، و على هذه النسخة لعل فيه إرسالا إذ لم يعهد برواية إبراهيم بن عثمان و هو أبو أيوب الخراز عن سليم، و قد مر مثل هذا السند مرارا عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم، و لعله سقط من النساخ، فالخبر ضعيف على المشهور، لكن عندي معتبر، لوجوه ذكرها محمد بن سليمان في كتاب منتخب البصائر و غيره.قوله (عليه السلام):" إن أخوف" مشتق من المبني للمفعول على خلاف القياس كأشهر.قوله (عليه السلام):" عمل" قال ابن ميثم قائم مقام الخبر من قبيل استعمال المضاف إليه مقام المضاف أي اليوم يوم عمل أو وقت عمل.قوله (عليه السلام):" قد ترحلت" قال الفيروزآبادي: ارتحل القوم عن المكان انتقلوا كترحلوا شبه (عليه السلام) انقضاء العمر شيئا فشيئا و نقص لذاتها بترحلها و إدبارها، و قرب الموت يوما فيوما بترحلها و إقبالها.قوله (عليه السلام):" إنما بدء وقوع الفتن" إلخ، قد مر في كتاب العقل هذا الجزء مِنْ أَهْوَاءٍ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٍ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالًا أَلَا إِنَّ الْحَقَّ لَوْ خَلَصَ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافٌ وَ لَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يُخَفْ عَلَى ذِي حِجًى لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَيُجَلَّلَانِ مَعاً فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ نَجَا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقُولُ كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ يَجْرِي النَّاسُ عَلَيْهَا وَ يَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ قَدْ غُيِّرَتِ السُّنَّةُ وَ قَدْ أَتَى النَّاسُ مُنْكَراً ثُمَّ تَشْتَدُّ الْبَلِيَّةُ وَ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَ تَدُقُّهُمُ الْفِتْنَةُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الْحَطَبَ وَ كَمَا تَدُقُّ الرَّحَى بِثِفَالِهَا وَ يَتَفَقَّهُونَمن الخبر بسند صحيح عن الباقر (عليه السلام)، و فيه" أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، و أحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله".قوله (عليه السلام):" من هذا ضغث" الضغث: ملأ الكف من الشجر و الحشيش و الشماريخ، قوله:" فيجليان" و فيما مر فيجيئان معا فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، و نجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى" و هو الأظهر، و على ما في هذا الخبر لعل المراد نجا الذين قال الله فيهم" سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنىٰ" أي سبقت لهم في علم الله و قضائه و مشيته الخصلة الحسنى، و هي السعادة أو التوفيق للطاعة أو البشرى بالجنة أو العاقبة الحسنى.قوله (عليه السلام):" لبستم" كذا في بعض النسخ و هو ظاهر، و في بعضها" ألبستم" على بناء المجهول من الأفعال و هو أظهر و في أكثرها" ألبستكم" فيحتمل المعلوم و المجهول بتكلف إما لفظا و إما معنى.قوله (عليه السلام) " يربو فيها الصغير" قال الفيروزآبادي: ربا ربوا كعلو و رباء زاد و نما، و الغرض بيان كثرة امتدادها، قوله:" و قد أتى الناس منكرا" لعله داخل تحت القول و يحتمل العدم.قوله (عليه السلام):" و كما تدق الرحى بثقالها" في أكثر النسخ بالقاف و لعله تصحيف و الظاهر الفاء قال الجزري: و في حديث علي (عليه السلام):" و تدقهم الفتن دق الرحى لِغَيْرِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ وَ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِأَعْمَالِ الْآخِرَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ وَ حَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَاصَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ فَقَالَ قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِي أَعْمَالًا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ مُغَيِّرِينِ لِسُنَّتِهِ وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا وَ إِلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي أَوْ قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَ فَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فَرَدَدْتُهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ رَدَدْتُ فَدَكاً إِلَى وَرَثَةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَ رَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَمَا كَانَ وَ أَمْضَيْتُ قَطَائِعَ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص- لِأَقْوَامٍ لَمْ تُمْضَ لَهُمْ وَ لَمْ تُنْفَذْ وَ رَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرٍ إِلَى وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ وَ رَدَدْتُ قَضَايَا مِنَ الْجَوْرِ قُضِيَ بِهَا وَ نَزَعْتُ نِسَاءً تَحْتَ رِجَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَدَدْتُهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّبثقالها" الثقال بالكسر: جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، و يسمى الحجر الأسفل ثقالا بها و المعنى أنها تدقهم دق الرحى للحب إذا كانت مثقلة، و لا تثفل إلا عند الطحن، و قال الفيروزآبادي: و قول زهير بثقالها أي على ثقالها أي حال كونها طاحنة لأنهم لا يثقلونها إلا إذا طحنت انتهى.و على ما في أكثر النسخ لعل المراد مع ثقالها أي إذا كانت معها ما يثقلها من الحبوب، فيكون أيضا كناية عن كونها طاحنة.قوله (عليه السلام):" أو قليل" أي لا يبقى معي إلا قليل.قوله (عليه السلام):" لو أمرت بمقام إبراهيم" إشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله إلى موضع كان فيه في الجاهلية، رواه الخاصة و العامة.قوله:" و نزعت نساء" إلخ، كالمطلقات ثلاثا في مجلس واحد و غيرها مما خالفوا فيه حكم الله. وَ اسْتَقْبَلْتُ بِهِنَّ الْحُكْمَ فِي الْفُرُوجِ وَ الْأَحْكَامِ وَ سَبَيْتُ ذَرَارِيَّ بَنِي تَغْلِبَ وَ رَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ وَ مَحَوْتُ دَوَاوِينَ الْعَطَايَا وَ أَعْطَيْتُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صقوله (عليه السلام):" و سبيت ذراري بني تغلب" لأن عمر رفع عنهم الجزية فهم ليسوا بأهل ذمة فيحل سبي ذراريهم كما روي عن الرضا (عليه السلام) أنه قال:" إن بني تغلب من نصارى العرب أنفوا و استنكفوا من قبول الجزية، و سألوا عمر أن يعفيهم عن الجزية و يؤدوا الزكاة مضاعفا فخشي أن يلحقوا بالروم فصالحهم على أن صرف ذلك عن رؤوسهم و ضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك".و قال محيي السنة: روي أن عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، و لكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة، فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين، قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على أن ضعف عليهم الصدقة.قوله:" و محوت دواوين العطايا" أي التي بنيت على التفضيل بين المسلمين في أزمن الثلاثة.قوله (عليه السلام):" و لم أجعلها دولة" قال الجزري: في حديث أشراط الساعة" إذا كان المغنم دولا" جمع دولة بالضم، و هو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم.قوله (عليه السلام):" و ألقيت المساحة" إشارة إلى ما عده الخاصة و العامة من بدع عمر أنه قال، ينبغي مكان هذا العشر و نصف العشر دراهم، نأخذها من أرباب الأملاك فبعث إلى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج، فأخذ من العراق يوما يليها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا، و قفيزا من أصناف الحبوب، و أخذ من مصر و نواحيها دينارا و أردبا عن مساحة جريب كما كان يأخذ منهم ملوك الإسكندرية.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] · موسوعة الغيبة والظهور