و ذلك ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما أظهر بمكة دعوته و أبان عن اللّه تعالى مراده، رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب مكائدهم، و لقد قصدته يوما لأني كنت أول الناس اسلاما، بعث يوم الاثنين و صليت معه يوم الثلاثاء، و بقيت معه اصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام و أيد اللّه تعالى دينه من بعد، فجاء قوم من المشركين.
201 فقالوا له: يا محمد تزعم انك رسول ربّ العالمين، ثم انك لا ترضى بذلك حتى تزعم انك سيدهم و افضلهم فلئن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره من الأنبياء قبلك، مثل: نوح الذي جاء بالغرق و نجا في سفينته مع المؤمنين، و ابراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه بردا و سلاما، و موسى الذي زعمت ان الجبل رفع فوق رءوس اصحابه حتى انقادوا لما دعاهم إليه صاغرين داخرين، و عيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم، و صار هؤلاء المشركون فرقا اربعة: هذه تقول اظهر لنا آية نوح، و هذه تقول اظهر لنا آية موسى، و هذه تقول اظهر لنا آية ابراهيم، و هذه تقول اظهر لنا آية عيسى.
ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّما انا نذير [و بشير] مبين أتيتكم بآية مبينة هذا القرآن الذي تعجزون انتم و الأمم و سائر العرب عن معارضته و هو بلغتكم، فهو حجة بينة عليكم، و ما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي و ما على الرسول الا البلاغ المبين الى المقرين بحجة صدقه و آية حقه، و ليس عليه ان يقترح بعد قيام الحجة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيما يقترحون.
مسند الإمام العسكري أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام