فالواحد المعدود، و الرب لا معدود، صفة الإله الأحد الذي لا يحدّ و لا يعدّ، فمن عرف من الحكمة هذا القدر فقد عرف مبدأه و معاده، لأن المبدأ ظهور من الحق إلى الخلق، و المعاد عود من الخلق إلى الحق، و من عرف المبدأ و المعاد و حقيقة الوعد و الإيعاد، فقد تيقّن النجاة و عرف عين الحياة، و أمن الممات، لأن المؤمن حي في الدارين.
يتمّم هذا الإسرار قوله: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا، و الوحي و الرسول يوم القيامة مرتفع، فلم يبق إلّا التكلّم من وراء الحجاب، و أقرب الناس مقاما من حضرة الربوبية الاسمان الأعليان الحبيب و الولي الكلمة العليا التي تكلّم بها في الأزل فصارت نورا، و الكلمة الكبرى التي تكلّم بها فكانت روحا، و أسكنها ذلك النور نور محمد و علي فهما حجاب رب الأرباب، فالإذن إذن لهم و الحكم لهم، و الأمر إليهم، و إليه الإشارة بقوله: وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يعني لولي اللّه لأنّهما عالمان بأعمال العباد من ____________ الشورى: 51.
الانفطار: 19.
307 غير سؤال و ليس في الخلائق من له هذه المقامات إلّا هم، لكن الناس فيهم، كما قال اللّه سبحانه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي إيمانه غير متمكن في القلب لأن الحرف هو الطرف.
و ذاك بغير برهان و لا يقين، فإن أصابه خير يعني إن سمع ما يلائم عقله الضعيف اطمأن به و ركن إليه، و إن أصابته فتنة- و هو سماع ما لم يحط به خبرا- فهناك لا يوسعك عذرا بل يبيح منك محرما و يتهمك كفرا، و إليه الإشارة بقوله (عليه السلام): لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله.
و قيل لكفّره؛ لأن صدر أبي ذر ليس بوعاء لما في صدر سلمان من أسرار الإيمان و حقائق ولي الرحمن، و لذاك قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أعرفكم باللّه سلمان.
مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه السلام