ثم رأيته بعد ذاك باعتقاد جازم، و عقل عادم، و لحية نفيشة، و عقل أخف من ريشة، قد جلس إلي جنب أفّاك أثيم، و قال له: كيف ترى حالي في هذه السنة، و كيف طالعي، و هل على نقص أم زيادة، و كيف تجد رملي على ما ذا يدل؟
فلمّا قال له حشوا من الكذب صدّقه و اعتقده، فقام يصدّق الكهّان، و يطعن في وليّ الرحمن.
و جاء يكذّب الإمام المعصوم الذي برأه اللّه من الذنوب، و أطلعه على الغيوب، و يصدق الأفاك الأثيم في تعجيله و تأخيره.
فانظر إلى غيب الأذهان كيف يشرون الكذب بالإيمان، و تصديق قول الكهان، و يرتابون في قول سفير القرآن، و يدّعون بعد ذلك الإيمان، و أنى لهم الإيمان، و هم مرتابون في قول العلي العظيم، و يصدّقون قول الأفاك الأثيم.
فصل و من أين للمنجم معرفة علم حجب الوصي!
و هل يخدع بالفال إلّا عقول الأطفال؟
هذا و مولاهم عن ذلك قد نهاهم، و هم مع النهي البليغ للكاهن المنجم يعتقدون، و لكذبه يصدّقون، و بإفكه يفرحون، و لما حذّرهم يحذرون، و لإمامهم يكذبون، و في أقواله يرتابون، و لفضله ينكرون، و لمن رواه يعادون و يتّهمون، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
و لما رويت حكاية سلمان، و أنه لما خرج عليه الأسد قال: يا فارس الحجاز أدركني، فظهر إليه فارس و خلّصه منه، و قال للأسد: أنت دابته من الآن.
فعاد يحمل له الحطب إلى باب المدينة امتثالا لأمر علي (عليه السلام)، فلما سمعوا قالوا هذا تناسخ.
و قالوا و أين كان علي هناك؟
و كيف كان قبل أن يكون؟
و أقبلوا ينكرون ما هم له مصدّقون و لا يشعرون.
مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه السلام