فلمّا انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوّة و لا منعة، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل، و قال لصاحبنا: إن كان ربّكم هو الذي أمره بهلاككم فإنّ اللّه لا يسلّطك عليه، و إن لم يكن هذا فعلى أيّ شيء تقتله، فصدّقه صاحبنا و تركه و رجع إلينا، فأخبرنا بذلك، و قوي بختنصّر، و ملك و غزانا، و خرّب بيت المقدس، فلهذا نتّخذه عدّوا و ميكائيل عدوّ لجبرئيل.
290 فقال سلمان: يا ابن صوريا!
بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم، أ رأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بختنصّر، و قد أخبر اللّه تعالى في كتبه على ألسنة رسله أنّه يملك و يخرّب بيت المقدس، و أرادوا تكذيب أنبياء اللّه في أخبارهم، و اتّهموهم في [أخبارهم] أو صدّقوهم في الخبر عن اللّه.
و مع ذلك أرادوا مغالبة اللّه، هل كان هؤلاء و من وجّهوه إلّا كفّارا باللّه، و أيّ عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل، و هو يصدّ عن مغالبة اللّه عزّ و جلّ و ينهى عن تكذيب خبر اللّه تعالى.
فقال ابن صوريا:
قد كان اللّه تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه، و لكنّه يمحو ما يشاء و يثبت.
قال سلمان:
فإذا لا تثقوا بشيء ممّا في التوراة من الأخبار عمّا مضى و ما يستأنف، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت، و إذا لعلّ اللّه قد كان عزل موسى و هارون عن النبوّة، و أبطلا في دعواهما، لأنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت، و لعلّ كلّ ما أخبراكم أنّه يكون لا يكون، و ما أخبراكم أنّه لا يكون يكون، و كذلك ما أخبراكم عمّا كان لعلّه لم يكن، و ما أخبراكم أنّه لم يكن لعلّه كان، و لعلّ ما وعده من الثواب يمحوه، و لعلّ ما توعّده من العقاب يمحوه، فإنّه يمحو ما يشاء و يثبت، إنّكم جهلتم معنى يمحو اللّه ما يشاء و يثبت، فلذلك أنتم باللّه كافرون، و لأخباره عن الغيوب مكذّبون، و عن دين اللّه منسلخون.
موسوعة الإمام العسكري عليه السلام