⟨ثمّ قال (عليه السلام) : حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ،⟩
فأعاد اللّه الحفيرة بما فيها فسقطت فيها، و هلكت فوقعت الصيحة.فقال عبد اللّه بن أبيّ: إيّاكم [و] أن تقولوا: إنّها سقطت في الحفيرة، فيعلم محمّد ما كنّا دبّرناه عليه.فبكوا [و قالوا:] ماتت العروس- و بعلّة عرسها كانوا دعوا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) - و مات القوم الذين أكلوا فضلة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم).فسأل [ه] رسول اللّه عن سبب موت الابنة و القوم؟فقال ابن أبيّ: سقطت من السطح، و لحق القوم تخمة.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [اللّه] أعلم بما ذا ماتوا، و تغافل عنهم. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [و قال عليّ بن محمّد (عليهما السلام) ]: و أمّا تكثير اللّه القليل من الطعام لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإنّرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يوما جالسا هو و أصحابه بحضرة جمع من خيار المهاجرين و الأنصار إذ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ شدقي يتحلّب و أجدني أشتهي حريرة مدوسة ملبّقة بسمن و عسل.فقال عليّ (عليه السلام): و أنا أشتهى ما يشتهيه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم).قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لأبي الفصيل: ما ذا تشتهي أنت؟قال: خاصرة حمل مشوي. و قال لأبي الشرور و أبي الدواهي (ما ذا تشتهيان أنتما)؟ قالا: صدر حمل مشوي.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أيّ عبد مؤمن يضيّف اليوم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و صحبه و يطعمهم شهواتهم؟فقال عبد اللّه بن أبيّ: هذا و اللّه! اليوم الذي نكيد فيه محمّدا و صحبه [و محبّيه] و نقتله، و نخلّص العباد و البلاد منه، و قال: يا رسول اللّه! أنا أضيّفكم عندي شيء من برّ و سمن و عسل و عندي حمل أشويه لكم.قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فافعل! فذهب عبد اللّه بن أبيّ، و أكثر السمّ في ذلك البرّ الملبّق بالسمن و العسل، و في ذلك الحمل المشويّ، ثمّ عاد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: هلمّوا إلى ما اشتهيتم.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أنا و من؟قال ابن أبيّ: أنت و عليّ و سلمان و أبو ذرّ و المقداد و عمّار.فأشار رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى أبي الشرور و أبي الدواهي و أبي الملاهي و أبي النكث، و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ابن أبيّ! دون هؤلاء؟فقال ابن أبيّ: نعم! دون هؤلاء، و كره أن يكونوا معه لأنّهم كانوا مواطئينلابن أبيّ على النفاق.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا حاجة لي في شيء استبدّ به دون هؤلاء، و دون المهاجرين و الأنصار الحاضرين لي.فقال عبد اللّه: يا رسول اللّه! إنّ [لي] الشيء القليل، لا يشبع أكثر من أربعة إلى خمسة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عبد اللّه! إنّ اللّه أنزل مائدة على عيسى (عليه السلام)، و بارك له في [أربعة] أرغفة و سميكات، حتّى أكل و شبع منها أربعة آلاف و سبعمائة.فقال: شأنك، ثمّ نادى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا معشر المهاجرين و الأنصار! هلمّوا إلى مائدة عبد اللّه بن أبيّ.فجاءوا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هم سبعة آلاف و ثمانمائة.فقال عبد اللّه لأصحاب له: كيف نصنع؟هذا محمّد و صحبه، و إنّما نريد أن نقتل محمّدا و نفرا من أصحابه، و لكن إذا مات محمّد وقع بأس هؤلاء بينهم، فلا يلتقى منهم اثنان في طريق.و بعث ابن أبيّ إلى أصحابه و المتعصّبين له ليتسلّحوا و يجتمعوا، و قال: ما هو إلّا أن يموت محمّد حتّى يلقانا أصحابه و يتهالكوا.فلمّا دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) داره أومأ عبد اللّه إلى بيت له صغير، فقال:يا رسول اللّه! أنت و هؤلاء الأربعة يعني عليّا و سلمان و المقداد و عمّارا في هذا البيت، و الباقون في الدار و الحجرة و البستان، و يقف منهم قوم على الباب حتّى يفرغ [منهم] أقوام و يخرجون، ثمّ يدخل بعدهم أقوام.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ الذي يبارك في هذا الطعام القليل ليبارك في هذا البيت الصغير الضيّق، ادخل يا عليّ! و يا سلمان! و يا مقداد! و يا عمّار! [و] ادخلوا معاشر المهاجرين و الأنصار، فدخلوا أجمعين، و قعدوا حلقة واحدة كما يستديرون حول ترابيع الكعبة، و إذا البيت قد وسعهم أجمعين حتّى أنّ بين كلّ رجلين منهم موضع رجل، فدخل عبد اللّه بن أبيّ، فرأى [عجبا] عجيبا من سعة البيت الذي كان ضيّقا.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ائتنا بما عملته، فجاءه بالحريرة الملبّقة بالسمن و العسل، و ب [الحمل] المشويّ.فقال ابن أبيّ: يا رسول اللّه! كل أنت أوّلا قبلهم، ثمّ ليأكل صحبك هؤلاء عليّ و من معه، ثمّ يطعم هؤلاء.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كذلك [أفعل]، فوضع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يده على الطعام، و وضع عليّ (عليه السلام) يده معه، فقال ابن أبيّ: أ لم يكن الأمر على أن تأكل مع أصحابك، و تفرّد رسول اللّه؟فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عبد اللّه! إنّ عليّا أعلم باللّه و ب [رسوله] منك، إنّ اللّه ما فرّق فيما مضى بين عليّ و محمّد، و لا يفرق فيما يأتي أيضا بينهما.إنّ عليّا كان، و أنا معه نورا واحدا، عرضنا اللّه عزّ و جلّ على أهل سماواته و أرضه، و سائر حجبه و جنانه و هو امّه، و أخذ عليهم لنا العهود و المواثيق ليكونن لنا، و لأوليائنا موالين، و لأعدائنا معادين، و لمن نحبّه محبّين، و لمن نبغضه مبغضين، ما زالت إرادتنا واحدة، و لا تزال لا أريد إلّا ما يريد، [و لا يريد إلّا ما أريد] يسرّني ما يسرّه، و يؤلمني ما يؤلمه، فدع يا ابن أبيّ عليّ بن أبي طالب، فإنّه أعلم بنفسه و بي منك.قال ابن أبيّ: نعم، يا رسول اللّه! و أفضى إلى جدّ و معتّب، فقال: أردنا واحدا، فصار اثنين الآن يموتان جميعا، و نكفى شرّهما هذا لخيبتهما و سعادتنا، فلو بقي عليّ بعده لعلّه كان يجادل أصحابنا هؤلاء.و عبد اللّه بن أبيّ قد جمع جميع أصحابه و متعصّبيه حول داره، ليضعوا السيف على أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ مات بالسمّ.ثمّ وضع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ (عليه السلام) يديهما في الحريرة الملبّقة بالسمن و العسل فأكلا حتّى شبعا، ثمّ وضع من اشتهى خاصرة الحمل، و من اشتهى صدره (منهم فأكلا) حتّى شبعا، و عبد اللّه ينظر، و يظنّ أن لا يلبثهم السمّ فإذا هم لا يزدادون إلّا نشاطا.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هات الحمل، فلمّا جاء به قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):يا أبا الحسن! ضع الحمل في وسط البيت، فوضعه [في وسط البيت تناله أيديهم] فقال عبد اللّه: يا رسول اللّه! كيف تناله أيديهم؟فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ الذي وسّع هذا البيت، و عظّمه حتّى وسع جماعتهم و فضل عنهم، هو الذي يطيل أيديهم [حتّى تنال هذا الحمل.قال:] فأطال اللّه تعالى أيديهم حتّى نالت ذلك، فتناولوا منه، و بارك اللّه في ذلك الحمل حتّى وسعهم و أشبعهم و كفاهم، فإذا هو بعد أكلهم لم يبق منه إلّا عظامه، فلمّا فرغوا منه طرح عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) منديلا له، ثمّ قال: يا عليّ! اطرح عليه الحريرة الملبّقة بالسمن و العسل، ففعل فأكلوا منه حتّى شبعوا كلّهم و أنفدوه، ثمّ قالوا: يا رسول اللّه! نحتاج إلى لبن، أو شراب نشربه عليه.فقال رسول اللّه: إنّ صاحبكم أكرم على اللّه من عيسى (عليه السلام)، أحيا اللّه تعالى له الموتى، و سيفعل [اللّه] ذلك لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، ثمّ بسط منديله و مسح يديه عليه، و قال: «اللّهمّ كما باركت فيها فأطعمتنا من لحمها، فبارك فيها، و اسقنا من لبنها».قال: فتحرّكت و بركت و قامت، و امتلأ ضرعها.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ائتوني بأزقاق و ظروف و أوعية و مزادات، فجاءوا بها، فملأها و سقاهم حتّى شربوا و رووا. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لو لا أنّي أخاف أن يفتتن بها أمّتي كما افتتن بنو إسرائيل بالعجل فاتّخذوه ربّا من دون اللّه تعالى، لتركتها تسعى في أرض اللّه، و تأكل من حشائشها، و لكن «اللّهمّ أعدها عظاما كما أنشاتها».فعادت عظاما [ماكولا] ما عليها من اللحم شيء، و هم ينظرون.قال: فجعل أصحاب رسول اللّه يتذاكرون بعد ذلك توسعة [اللّه تعالى] البيت [بعد ضيقه]، و [في] تكثيره الطعام، و دفعه غائلة السمّ.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّي إذا تذكرت ذلك البيت كيف، وسّعه اللّه بعد ضيقه، و في تكثير ذلك الطعام بعد قلّته، و في ذلك السمّ كيف أزال اللّه تعالى غائلته عن محمّد و من دونه، و كيف وسّعه [و كثّره].أذكر ما يزيده اللّه تعالى في منازل شيعتنا و خيراتهم في جنّات عدن و في الفردوس: إنّ في شيعتنا لمن يهب اللّه له في الجنان من الدرجات و المنازل و الخيرات، ما [لا] يكون الدنيا و خيراتها في جنبها [إلّا] كالرملة في البادية الفضافضة، فما هو إلّا أن يرى أخا له مؤمنا فقيرا، فيتواضع له و يكرمه و يعينه [و يموّنه] و يصونه عن بذل وجهه له حتّى يرى الملائكة الموكّلين بتلك المنازل و القصور [و] قد تضاعفت حتّى صارت في الزيادة كما كان هذا الزائد في هذا البيت الصغير الذي رأيتموه فيها صار إليه من كبره و عظمه و سعته.فيقول الملائكة: يا ربّنا! لا طاقة لنا بالخدمة في هذه المنازل، فامددنا بأملاك يعاونوننا.فيقول اللّه: ما كنت لأحمّلكم ما لا تطيقون، فكم تريدون مددا؟فيقولون: ألف ضعفنا، و فيهم من المؤمنين من يقول أملاكه: نستزيد مدد ألفألف ضعفنا، و أكثر من ذلك على قدر قوّة إيمان صاحبهم، و زيادة إحسانه إلى أخيه المؤمن.فيمدّدهم اللّه تعالى بتلك الأملاك، و كلّما لقي هذا المؤمن أخاه، فبرّه زاده اللّه في ممالكه، و في خدمه في الجنّة كذلك.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [و] إذا تفكّرت في الطعام المسموم الذي صبرنا عليه كيف أزال اللّه عنّا غائلته، و كثّره و وسّعه، ذكرت صبر شيعتنا على التقيّة، و عند ذلك يؤدّيهم اللّه تعالى بذلك الصبر إلى أشرف العاقبة، و أكمل السعادة طالما يغتبطون في تلك الجنان بتلك الطيّبات.فيقال لهم: كلوا هنيئا جزاء على تقيّتكم لأعدائكم، و صبركم على أذاهم.قال عليّ بن محمّد (عليهما السلام): لو سلك الناس واديا و شعبا لسلكت وادي رجل عبد اللّه وحده خالصا مخلصا.و قال عليّ بن محمّد (عليهما السلام): من لم يكن والدا دينه محمّد و عليّ (عليهما السلام) أكرم عليه من والدي نسبه، فليس من اللّه في حلّ، و لا حرام، و لا كثير، و لا قليل.عدّة الداعي: 233، س 16، بتفاوت يسير. عنه البحار:، س ضمن ح 14.تنبيه الخواطر و نزهة النواظر: 428، س 6، مرسلا. التفسير: 332، ح 200. عنه البحار:، س 1، ضمن ح 8، و، س 10، ضمن ح 11، و البرهان: س 24، ضمن ح 3، بتفاوت. قال عليّ بن محمّد (عليهما السلام): إنّ من إعظام جلال اللّه إيثار قرابة أبوي دينك محمّد و عليّ (عليهما السلام)، على قرابة أبوي نسبك.و إنّ من التهاون بجلال اللّه إيثار قرابة أبوي نسبك، على قرابة أبوي دينك محمّد و عليّ (عليهما السلام). التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و جاء رجل إلى عليّ بن محمّد (عليهما السلام)، و قال: يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ! بليت اليوم بقوم من عوامّ البلد أخذوني، فقالوا: أنت لا تقول بإمامة أبي بكر بن أبي قحافة، فخفتهم يا ابن رسول اللّه! و أردت أن أقول: [لا، قلت]: بلى، أقولها للتقيّة.فقال لي بعضهم- و وضع يده على فمي- و قال: أنت لا تتكلّم إلّا بمخرقة، أجب عما ألقّنك.قلت: قل، فقال لي: أ تقول إنّ أبا بكر بن أبي قحافة هو الإمام بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إمام حقّ عدل، و لم يكن لعليّ (عليه السلام) في الإمامة حقّ البتّة؟قلت: نعم، و أنا أريد نعما من الأنعام، الإبل، و البقر، و الغنم.فقال: [لا] أقنع بهذا حتّى تحلف، قل: و ﴿اللّه! الذي لا إله إلّا هو﴾، الطالب الغالب (العدل)، المدرك المهلك، العالم من السرّ ما يعلم من العلانية.فقلت: نعم! و أريد نعما من الأنعام.فقال: لا أقنع منك إلّا بأن تقول: أبو بكر بن أبي قحافة هو الإمام و اللّه الذي، س 16، ضمن ح 8. خرق خرقا الكذب، صنعه الرجل: كذب... المخرقة: الكذب و الاختلاق.المنجد: 17 (خرق). لا إله إلّا هو، و ساق اليمين.فقلت: أبو بكر بن أبي قحافة إمام- أي هو إمام من ائتمّ به و اتّخذه إماما- و ﴿اللّه! الذي لا إله إلّا هو﴾، و مضيت في صفات اللّه.فقنعوا بهذا منّي، و جزوني خيرا و نجوت منهم، فكيف حالي عند اللّه؟قال (عليه السلام): خير حال قد أوجب اللّه لك مرافقتنا في أعلى عليّين، لحسن تقيّتك. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا (عليهم السلام): أَمْ تُرِيدُونَ بل تريدون يا كفّار قريش و اليهود! أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ما تقترحونه من الآيات التي لا تعلمون، هل فيها صلاحكم أو فسادكم ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ و اقترح عليه لمّا قيل له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ بعد جواب الرسول له، إنّ ما سأله لا يصالح اقتراحه على اللّه، و بعد ما يظهر اللّه تعالى له ما اقترح إن كان صوابا.وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ بأن لا يؤمن عند مشاهدة ما يقترح من الآيات، أو لا يؤمن إذا عرف أنّه ليس له أن يقترح، و أنّه يجب أن يكتفي بما قد أقامه اللّه تعالى من الدلالات، و أوضحه من الآيات البيّنات، فيتبدّل الكفر بالإيمان بأن يعاند، و لا يلتزم الحجّة القائمة عليه، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أخطأ قصد الطرق المؤدّية إلى الجنان، و أخذ في الطرق المؤدّية إلى النيران.قال (عليه السلام): قال اللّه تعالى [لليهود]: يا أيّها اليهود! أَمْ تُرِيدُونَ بل تريدون من بعد ما آتيناكم أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ.و ذلك أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قصده عشرة من اليهود يريدون أن يتعنّتوه و يسألوه عن أشياء يريدون أن يتعانتوه بها.فبيناهم كذلك إذ جاء أعرابيّ كأنّما يدفع في قفاه قد علّق على عصا- على عاتقه- جرابا مشدود الرأس، فيه شيء، قد ملأه لا يدرون ما هو.فقال: يا محمّد! أجبني عمّا أسألك؟فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا أخا العرب! قد سبقك اليهود [ليسألوا] أ فتأذن لهم حتّى أبدأ بهم؟فقال الأعرابيّ: لا! فإنّي غريب مجتاز.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأنت إذا أحقّ منهم لغربتك و اجتيازك.فقال الأعرابيّ: و لفظة أخرى؟قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ما هي؟قال: إنّ هؤلاء أهل كتاب يدّعونه و يزعمونه حقّا، و لست آمن أن تقول شيئا يواطئونك عليه، و يصدّقونك ليفتنوا الناس عن دينهم، و أنا لا أقنع بمثل هذا، لا أقنع إلّا بأمر بيّن.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ؟فدعي بعليّ، فجاء حتّى قرب من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم).فقال الأعرابيّ: يا محمّد! و ما تصنع بهذا في محاورتي إيّاك؟قال: يا أعرابي، سألت البيان، و هذا البيان الشافي، و صاحب العلم الكافي، أنا مدينة الحكمة و هذا بابها، فمن أراد الحكمة و العلم فليأت الباب. فلمّا مثّل بين يدي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بأعلى صوته:يا عباد اللّه! من أراد أن ينظر إلى آدم في جلالته، و إلى شيث في حكمته، و إلى إدريس في نباهته و مهابته، و إلى نوح في شكره لربّه و عبادته، و إلى إبراهيم في خلّته و وفائه، و إلى موسى في بغض كلّ عدوّ للّه و منابذته، و إلى عيسى في حبّ كلّ مؤمن و حسن معاشرته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب هذا.فأمّا المؤمنون فازدادوا بذلك إيمانا، و أمّا المنافقون فازداد نفاقهم.فقال الأعرابيّ: يا محمّد! هكذا مدحك لابن عمّك، إنّ شرفه شرفك، و عزّه عزّك، و لست أقبل من هذا شيئا إلّا بشهادة من لا تحتمل شهادته بطلانا، و لا فسادا بشهادة هذا الضبّ.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا أخا العرب! فأخرجه من جرابك لتستشهده، فيشهد لي بالنبوّة، و لأخي هذا بالفضيلة.فقال الأعرابيّ: لقد تعبت في اصطياده، و أنا خائف أن يطفر و يهرب.فقال رسول اللّه: لا تخف، فإنّه لا يطفر [و لا يهرب]، بل يقف و يشهد لنا بتصديقنا و تفضيلنا.فقال الأعرابيّ: [إنّي] أخاف أن يطفر.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فإن طفر فقد كفاك به تكذيبا لنا، و احتجاجا علينا، و لن يطفر، و لكنّه سيشهد لنا بشهادة الحقّ، فإذا فعل ذلك فخلّ سبيله، فإنّ محمّدا يعوّضك عنه ما هو خير لك منه.فأخرجه الأعرابي من الجراب و وضعه على الأرض، فوقف و استقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و مرّغ خدّيه في التراب، ثمّ رفع رأسه، و أنطقه اللّه تعالى، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله و صفيّه، و سيّد المرسلين، و أفضل الخلق أجمعين، و خاتم النبيّين، و
[موسوعة الإمام العسكري عليه السلام ] · موسوعة الغيبة والظهور