الأقسامالحِكَم والوصايا والأخلاق والآدابمساوئ الأخلاق
موسوعة الإمام العسكري عليه السلام · رقم ٤١٥

ثمّ قال (عليه السلام) : حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ،

قائد الغرّ المحجّلين، و أشهد أنّ أخاك هذا عليّ بن أبي طالب على الوصف الذي وصفته، و بالفضل الذي ذكرته، و أنّ أولياءه في الجنان يكرمون، و أنّ أعداه في النار يهانون.فقال الأعرابيّ، و هو يبكي: يا رسول اللّه! و أنا أشهد بما شهد به هذا الضبّ، فقد رأيت و شاهدت و سمعت ما ليس لي عنه معدل و لا محيص.ثمّ أقبل الأعرابيّ إلى اليهود، فقال: ويلكم! أيّ آية بعد هذه تريدون، و معجزة بعد هذه تقترحون، ليس إلّا أن تؤمنوا أو تهلكوا أجمعين.فامن أولئك اليهود كلّهم، و قالوا: عظمت بركة ضبّك علينا، يا أخا العرب!ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): خلّ الضبّ على أن يعوّضك اللّه عزّ و جلّ [عنه ما هو خير] منه، فإنّه ضبّ مؤمن باللّه و برسوله و بأخي رسوله، شاهد بالحقّ ما ينبغي أن يكون مصيدا و لا أسيرا، و لكنّه يكون مخلّى سربه [تكون له مزيّة] على سائر الضباب بما فضّله اللّه أميرا.فناداه الضبّ: يا رسول اللّه! فخلّني و ولّني تعويضه لأعوّضه.فقال الأعرابيّ: و ما عساك تعوّضني؟قال: تذهب إلى الجحر الذي أخذتني منه، ففيه عشرة آلاف دينار خسروانيّة، و ثلاثمائة ألف درهم فخذها.قال الأعرابيّ: كيف أصنع قد سمع هذا- من هذا الضبّ- جماعات الحاضرين هاهنا، و أنا متعب، فلن آمن ممّن هو مستريح يذهب إلى هناك فيأخذه.فقال الضبّ: يا أخا العرب! إنّ اللّه تعالى قد جعله لك عوضا منّي، فما كان ليترك أحدا يسبقك إليه، و لا يروم أحد أخذه إلّا أهلكه اللّه.و كان الأعرابيّ تعبا، فمشى قليلا، و سبقه إلى الجحر جماعة من المنافقين كانوا بحضرة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فادخلوا أيديهم إلى الجحر ليتناولوا منه ما سمعوا، فخرجت عليهم أفعى عظيمة فلسعتهم و قتلتهم، و وقفت حتّى حضر الأعرابيّ.فقالت له: يا أخا العرب! انظر إلى هؤلاء كيف أمرني اللّه بقتلهم دون مالك- الذي هو عوض ضبّك- و جعلني حافظته، فتناوله.فاستخرج الأعرابيّ الدراهم و الدنانير فلم يطق احتمالها، فنادته الأفعى: خذ الحبل الذي في وسطك، و شدّه بالكيسين، ثمّ شدّ الحبل في ذنبي فإنّي سأجرّه لك إلى منزلك، و أنا فيه حارسك، و حارس مالك هذا.فجاءت الأفعى فما زالت تحرسه و المال إلى أن فرّقه الأعرابيّ في ضياع و عقار و بساتين اشتراها، ثمّ انصرفت الأفعى.قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام): فقلت لأبي عليّ بن محمّد (عليهما السلام): فهل كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يناظرهم إذا عانتوه و يحاجّهم؟قال: بلى، مرارا كثيرة منها ما حكى اللّه من قولهم: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ- إلى قوله- رَجُلًا مَسْحُوراً، وَ قالُوا لَوْ لا ﴿‏نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏﴾، وَ قالُوا ﴿‏لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً‏﴾- إلى قوله- كِتاباً نَقْرَؤُهُ.ثمّ قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيّا كموسى لنزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك، لأنّ مسألتنا أشدّ من مسألة قوم موسى لموسى.قال: و ذلك أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة، إذاجتمع جماعة من رؤساء قريش، منهم الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و أبو البختري ابن هشام، و أبو جهل بن هشام، و العاص بن وائل السهمي، و عبد اللّه بن أبي أمية المخزوميّ، و كان معهم جمع ممّن يليهم كثير.و رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه، و يؤدّي إليهم عن اللّه أمره و نهيه.فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمّد، و عظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته، و توبيخه، و الاحتجاج عليه، و إبطال ما جاء به، ليهوّن خطبه على أصحابه، و يصغّر قدره عندهم، فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه و باطله و تمرّده، و طغيانه، فإن انتهى، و إلّا عاملناه بالسيف الباتر.قال أبو جهل: فمن [ذا] الذي يلي كلامه و مجادلته؟قال عبد اللّه بن أبي أميّة المخزوميّ: أنا إلى ذلك، أ فما ترضاني له قرنا حسيبا، و مجادلا كفيّا؟قال أبو جهل: بلى، فأتوه بأجمعهم، فابتدأ عبد اللّه بن أبي أميّة المخزوميّ، فقال: يا محمّد! لقد ادّعيت دعوى عظيمة، و قلت مقالا هائلا، زعمت أنّك رسول اللّه ربّ العالمين، و ما ينبغي لربّ العالمين و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسولا له بشر مثلنا تأكل كما نأكل، و تمشي في الأسواق كما نمشي، فهذا ملك الروم، و هذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلّا كثير المال، عظيم الحال، له قصور و دور [و بساتين] و فساطيط و خيام و عبيد و خدّام.و ربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم أجمعين، فهم عبيده، و لو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك و نشاهده، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا، لا بشرا مثلنا، ما أنت يا محمّد إلّا مسحورا، و لست بنبيّ.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هل بقي من كلامك شيء؟ قال: بلى! لو أراد اللّه أن يبعث رسولا لبعث أجلّ من فيما بيننا مالا و أحسنه حالا، فهلّا نزل هذا القرآن- الذي تزعم أنّ اللّه أنزله عليك و ابتعثك به رسولا- ﴿‏على رجل من القريتين عظيم‏﴾، إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة، و إمّا عروة بن مسعود الثقفيّ بالطائف.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هل بقي من كلامك شيء يا عبد اللّه!؟قال: بلى! ﴿‏لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا‏﴾ بمكّة هذه، فإنّها ذات حجارة و عرة و جبال، تكسح أرضها و تحفرها و تجري فيها العيون، فإنّنا إلى ذلك محتاجون، ﴿‏أو تكون لك جنّة من نخيل‏﴾ و عنب فتأكل منها و تطعمنا فتفجّر الأنهار خلالها- خلال تلك النخيل و الأعناب- ﴿‏تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا‏﴾ فإنّك قلت لنا: وَ إِنْ ﴿‏يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ‏﴾ و لعلّنا نقول ذلك.ثمّ قال: و لن نؤمن لك أو تأتي باللّه و الملائكة قبيلا تأتي به و بهم و هم لنا مقابلون، ﴿‏أو يكون لك بيت من زخرف‏﴾ تعطينا منه و تغنينا به فلعلّنا نطغى فإنّك قلت لنا: ﴿‏كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏﴾.ثمّ قال: أو ترقى في السماء- أي تصعد في السماء- و لن نؤمن لرقّيك- لصعودك- ﴿‏حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه‏﴾ من اللّه العزيز الحكيم إلى عبد اللّه بن أبي أميّة المخزوميّ و من معه بأن آمنوا بمحمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلّب، فإنّه رسولي، و صدّقوه في مقاله فإنّه من عندي.ثمّ لا أدري يا محمّد! إذا فعلت هذا كلّه أو من بك، أو لا أومن بك، بل لو رفعتناإلى السماء و فتحت أبوابها و أدخلتناها، لقلنا إنّما سكّرت أبصارنا و سحرتنا.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عبد اللّه! أبقي شيء من كلامك؟قال: يا محمّد! أ و ليس فيما أوردته عليك كفاية و بلاغ؟ ما بقي شيء فقل ما بدا لك، و افصح عن نفسك إن كانت لك حجّة، و أتنا بما سألناك.فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): «اللّهمّ أنت السامع لكلّ صوت، و العالم بكلّ شيء تعلم ما قاله عبادك».فأنزل اللّه عليه: يا محمّد! وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ- إلى قوله- رَجُلًا مَسْحُوراً.ثمّ قال اللّه تعالى: ﴿‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا‏﴾.ثمّ قال اللّه: يا محمّد! ﴿‏تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ‏﴾ وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً.و أنزل عليه: يا محمّد! ﴿‏فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ‏﴾ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ الآية.و أنزل عليه: يا محمّد! وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ- إلى قوله- وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ.فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عبد اللّه! أمّا ما ذكرت من أنّي آكل الطعامكما تأكلون، و زعمت أنّه لا يجوز لأجل هذه أن أكون للّه رسولا، فإنّما الأمر للّه يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و هو محمود و ليس لك و لا لأحد الاعتراض عليه بلم و كيف.أ لا ترى أنّ اللّه تعالى كيف أفقر بعضا، و أغنى بعضا، و أعزّ بعضا، و أذلّ بعضا، و أصحّ بعضا، و أسقم بعضا، و شرّف بعضا، و وضع بعضا، و كلّهم ممّن يأكل الطعام.ثمّ ليس للفقراء أن يقولوا: لم أفقرتنا و أغنيتهم؟ و لا للوضعاء أن يقولوا: لم وضعتنا و شرّفتهم؟ و لا للزمنى و الضعفاء أن يقولوا: لم أزمنتنا و أضعفتنا، و صحّحتهم؟ و لا للأذلّاء أن يقولوا: لم أذللتنا و أعززتهم؟ و لا لقبائح الصور أن يقولوا: لم قبّحتنا و جمّلتهم؟بل إن قالوا ذلك كانوا على ربّهم رادّين، و له في أحكامه منازعين و به كافرين، و لكان جوابه لهم: [إنّي] أنا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعزّ المذلّ المصحّح المسقم، و أنتم العبيد ليس لكم إلّا التسليم لي، و الانقياد لحكمي، فإن سلّمتم كنتم عبادا مؤمنين، و إن أبيتم كنتم بي كافرين و بعقوباتي من الهالكين.ثمّ أنزل اللّه تعالى عليه: يا محمّد! ﴿‏قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏﴾ يعني آكل الطعام ﴿‏يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ‏﴾ يعني قل لهم: أنا في البشريّة مثلكم، و لكن ربّي خصّني بالنبوّة دونكم، كما يخصّ بعض البشر بالغناء و الصحّة و الجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصّني أيضا بالنبوّة.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أمّا قولك: إنّ هذا ملك الروم و ملك الفرسلا يبعثان رسولا إلّا كثير المال، عظيم الحال، له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدّام، و ربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم، فهم عبيده.فإنّ اللّه له التدبير و الحكم، لا يفعل على ظنّك و حسبانك، و لا باقتراحك بل يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و هو محمود.يا عبد اللّه! إنّما بعث اللّه نبيّه ليعلّم الناس دينهم و يدعوهم إلى ربّهم، و يكدّ نفسه في ذلك آناء الليل، و أطراف النهار، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها، و عبيد و خدم يسترونه عن الناس، أ ليس كانت الرسالة تضيع، و الأمور تتباطأ؟! أو ما ترى الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد و القبائح من حيث لا يعلمون به و لا يشعرون.يا عبد اللّه! و إنّما بعثني اللّه، و لا مال لي، ليعرّفكم قدرته و قوّته، و إنّه هو الناصر لرسوله، لا تقدرون على قتله، و لا منعه من رسالته، فهذا أبين في قدرته، و في عجزكم، و سوف يظفرني اللّه بكم، فأوسعكم قتلا و أسرا، ثمّ يظفرني اللّه ببلادكم، و يستولي عليها المؤمنون من دونكم و دون من يوافقكم على دينكم.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أمّا قولك لي: و لو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك و نشاهده، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث ملكا لا بشرا مثلنا.فالملك لا تشاهده حواسّكم، لأنّه من جنس هذا الهواء لا عيان منه، و لو شاهدتموه- بأن يزاد في قوى أبصاركم- لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر لأنّه إنّما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قد ألفتموه لتفهموا عنه مقاله، و تعرفوا به خطابه و مراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك، و أنّ ما يقوله حقّ.بل إنّما بعث اللّه بشرا، و أظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم، فتعلمون بعجزكم عمّا جاء به أنّه معجزة، و أنّ ذلك شهادة من اللّه تعالى بالصدق له، و لو ظهر لكم ملك، و ظهر على يده ما يعجز عنه البشر، لم يكن في ذلك ما يدلّكم أنّ ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتّى يصير ذلك معجزا.أ لا ترون أنّ الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز، لأنّ لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، و لو أنّ آدميّا طار كطيرانها كان ذلك معجزا، فاللّه عزّ و جلّ سهّل عليكم الأمر، و جعله بحيث تقوم عليكم حجّته، و أنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجّة فيه.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أمّا قولك: ما أنت إلّا رجلا مسحورا، فكيف أكون كذلك، و قد تعلمون أنّي في صحّة التمييز و العقل فوقكم، فهل جرّبتم عليّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة أو زلّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأي، أ تظنّون أنّ رجلا يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه، و قوّتها، أو بحول اللّه و قوّته؟!و ذلك ما قال اللّه تعالى: ﴿‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا‏﴾ إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجّة أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبيّن عليك تحصيل بطلانها.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أمّا قولك: لو لا ﴿‏نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏﴾، الوليد بن المغيرة بمكّة أو عروة بالطائف.فإنّ اللّه تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت، و لا خطر له عنده كما [له] عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء، و ليس قسمة رحمة اللّه إليك، بل اللّه [هو] القاسم للرحمات،و الفاعل لما يشاء في عبيده و إمائه.و ليس هو عزّ و جلّ ممّن يخاف أحدا كما تخافه [أنت] لماله و حاله، فتعرفه بالنبوّة لذلك، و لا ممّن يطمع في أحد في ماله [أو في حاله] كما تطمع فتخصّه بالنبوّة لذلك، و لا ممّن يحبّ أحدا محبّة الهوى كما تحبّ، فتقدّم من لا يستحقّ التقديم، و إنّما معاملته بالعدل، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين و جلاله إلّا الأفضل في طاعته، و الأجدّ في خدمته، و كذلك لا يؤخّر في مراتب الدين و جلاله إلّا أشدّهم تباطؤا عن طاعته.و إذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال و لا إلى حال، بل هذا المال و الحال من تفضّله، و ليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب.فلا يقال: إذا تفضّل بالمال على عبده، فلا بدّ [من] أن يتفضّل عليه بالنبوّة أيضا، لأنّه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده، و لا إلزامه تفضّلا لأنّه تفضّل قبله بنعمه، أ لا ترى يا عبد اللّه، كيف أغنى واحدا، و قبّح صورته؟و كيف حسّن صورة واحد و أفقره؟! و كيف شرّف واحدا و أفقره؟! و كيف أغنى واحدا و وضعه؟!ثمّ ليس لهذا الغنيّ أن يقول: و هلّا أضيف إلى يساري جمال فلان؟و لا للجميل أن يقول: هلّا أضيف إلى جمالي مال فلان؟و لا للشريف أن يقول: هلّا أضيف إلى شرفي مال فلان؟و لا للوضيع أن يقول: هلّا أضيف إلى ضعتي شرف فلان؟و لكنّ الحكم للّه يقسّم كيف يشاء، و يفعل كما يشاء، و هو حكيم في أفعاله، محمود في أعماله، و ذلك قوله تعالى: وَ قالُوا لَوْ لا ﴿‏نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ‏﴾ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.قال اللّه تعالى: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ- يا محمّد- ﴿‏نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا‏﴾ فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوجنا هذا إلى مال ذلك و أحوج ذاك إلى سلعة هذا [و هذا] إلى خدمته.فترى أجلّ الملوك، و أغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب، إمّا سلعة معه ليست معه، و إمّا خدمة يصالح لها، لا يتهيّأ لذلك الملك أن يستغني [إلّا] به، و إمّا باب من العلوم و الحكم، فهو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغنيّ، و ذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته.ثمّ ليس للفقير أن يقول: هلّا اجتمع إلى رأيي و علمي و ما أتصرّف فيه من فنون الحكم ما لهذا الملك الغنيّ؟و لا للملك أن يقول: هلّا اجتمع إلى ملكي علم هذا الفقير! ثمّ قال: وَ رَفَعْنا ﴿‏بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا‏﴾، ثمّ قال: يا محمّد! وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يجمع هؤلاء من أموال الدنيا.ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أمّا قولك: ﴿‏لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا‏﴾ إلى آخر ما قلته.فإنّك اقترحت على محمّد رسول اللّه أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوّته، و رسول اللّه يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين، و يحتجّ عليهم بما لا حجّة فيه.و منها ما لو جاءك به لكان معه هلاكك، و إنّما يؤتي بالحجج و البراهين، ليلزم عباد اللّه الإيمان بها، لا ليهلكوا بها، فإنّما اقترحت هلاكك، و ربّ العالمين أرحم بعباده، و أعلم بمصالحهم، من أن يهلكهم كما يقترحون.و منها المحال الذي لا يصحّ، و لا يجوز كونه، و رسول [اللّه] ربّ العالمين يعرّفك ذلك، و يقطع معاذيرك، و يضيّق عليك سبيل مخالفته، و يلجئك بحجج اللّه إلى تصديقه، حتّى لا يكون لك عنه محيد و لا محيص.و منها ما قد اعترفت على نفسك أنّك فيه معاند متمرّد، لا تقبل حجّة، و لا تصغى إلى برهان، و من كان كذلك فدواؤه عقاب النار، النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه.و أمّا قولك: يا عبد اللّه! ﴿‏لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا‏﴾ بمكّة فإنّها ذات حجارة و صخور و جبال، تكسح أرضها، و تحفرها و تجري فيها العيون، فإنّنا إلى ذلك محتاجون.فإنّك سألت هذا و أنت جاهل بدلائل اللّه تعالى.يا عبد اللّه! أ رأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيّا؟أ رأيت الطائف التي لك فيها بساتين، أ ما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها و ذلّلتها و كسحتها، و أجريت فيها عيونا

[موسوعة الإمام العسكري عليه السلام ] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.