الأقسامالإمام المهدي عليه السلام والرجعةالغيبة والانتظار
موسوعة الإمام العسكري عليه السلام · رقم ١٠٠٦

الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن عليّ بن حاتم النوفليّ، قال:حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ، قال: حدّثنا أحمد بن طاهر القمّيّ، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن بحر الشيبانيّ، قال: وردت كربلاء سنة ستّ و ثمانين و مائتين، قال: وزرت قبر غريب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، ثمّ انكفأت إلى مدينة السلام متوجّها إلى مقابر قريش في وقت قد تضرّمت الهواجر و توقّدت السمائم.فلمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام)، و استنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة المحفوفة بحدائق الغفران أكببت عليها بعبرات متقاطرة، و زفرات متتابعة، و قد حجب الدمع طرفي عن النظر، فلمّا رقأت العبرة، و انقطع النحيب فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، و تقوّس منكباه، و ثفنت جبهته و راحتاه، و هو يقول لاخر معه عند القبر: يا ابن أخي!

لقد نال عمّك شرفا بما حمّله السيّدان من غوامض الغيوب، و شرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلّا سلمان.و قد أشرف عمّك على استكمال المدّة و انقضاء العمر، و ليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسرّه.قلت: يا نفس!

لا يزال العناء و المشقّة ينالان منك بإتعابي الخفّ و الحافر- المهديّ (عليهما السلام) )، و (تحليل الجارية من غير عقد)، و (حكم النظر إلى الأجنبيّة للتزويج)، و (سورة القصص: )، و (سورة القدر: )، و (تسهيل وضع الحمل).

الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحرّ، أو من عند الزوال إلى العصر لأنّ الناس ليسكنون في بيوتهم كأنّهم قد تهاجروا من شدّة الحرّ، و الجمع هواجر.

مجمع البحرين: (هجر).

سمّ اليوم: اشتدّ حرّه، أو كانت فيه ريح حارّة...

السموم، ج: السمائم، الريح الحارّة.

المنجد:348، (سمّ).

في طلب العلم، و قد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدلّ على علم جسيم، و أثر عظيم، فقلت: أيّها الشيخ!

و من السيّدان؟قال: النجمان المغيّبان في الثرى بسرّمنرأى.فقلت: إنّي أقسم بالموالاة، و شرف محلّ هذين السيّدين من الإمامة و الوراثة، إنّي خاطب علمهما، و طالب آثارهما، و باذل من نفسي الإيمان المؤكّدة على حفظ أسرارهما.قال: إن كنت صادقا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم، فلمّا فتّش الكتاب، و تصفّح الروايات منها قال: صدقت أنا بشر بن سليمان النخّاس من ولد أبي أيّوب الأنصاريّ أحد موالي أبي الحسن و أبي محمّد (عليهما السلام) و جارهما بسرّمنرأى.قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما.قال: كان مولانا أبو الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ (عليهما السلام) فقّهني في أمر الرقيق، فكنت لا أبتاع و لا أبيع إلّا بإذنه، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتّى كملت معرفتي فيه، فأحسنت الفرق [فيما] بين الحلال و الحرام.فبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسرّمنرأى، و قد مضى هويّ من الليل إذ قرع الباب قارع، فعدوت مسرعا، فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن عليّ بن محمّد (عليهما السلام) يدعوني إليه.فلبست ثيابي، و دخلت عليه، فرأيته يحدّث ابنه أبا محمّد و أخته حكيمة من وراء الستر.فلمّا جلست قال: يا بشر!

إنّك من ولد الأنصار، و هذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت، و إنّي مزكّيك و مشرّفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها بسرّ أطّلعك عليه، و أنفذك في ابتياع أمة.فكتب كتابا ملصقا بخطّ روميّ، و لغة روميّة، و طبع عليه بخاتمه، و أخرج شستقة صفراء فيها مائتان و عشرون دينارا.فقال: خذها و توجّه بها إلى بغداد، و احضر معبر الفرات ضحوة كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا، و برزن الجواري منها، فستحدق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العبّاس، و شراذم من فتيان العراق.فإذا رأيت ذلك فاشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا، لابسة حريرتين صفيقتين تمتنع من السفور، و لمس المعترض، و الانقياد لمن يحاول لمسها، و يشغل نظره بتأمّل مكاشفها من وراء الستر الرقيق، فيضربها النخّاس، فتصرخ صرخة روميّة.فاعلم أنّها تقول: و اهتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين: عليّ بثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول بالعربيّة: لو برزت في زيّ سليمان، و على مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك.فيقول النخّاس: فما الحيلة، و لا بدّ من بيعك؟فتقول الجارية: و ما العجلة، و لا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي [إليه و] إلى أمانته، و ديانته.المنجد: 370، (شأي).

و في بعض المصادر: «سائر الشيعة».

و في بعض النسخ: الشنسقة، و الظاهر أنّ الصواب: الشنتقة، معرّب جنته، و في البحار:الشقّة، و هي بالكسر و الضمّ: السبيبة المقطوعة من الثياب المستطيلة، و على أيّ المراد:الصرّة التي يجعل فيها الدنانير.

المصدر، هامش: 419، رقم 4.

فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس، و قل له: إنّ معي كتابا ملصقا لبعض الأشراف، كتبه بلغة روميّة، و خطّ روميّ، و وصف فيه كرمه و وفاه و نبله و سخائه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه، و رضيته، فأنا وكيله في ابتياعها منك.قال بشر بن سليمان النخّاس: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية.فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا، و قالت لعمر بن يزيد النخّاس: يعني من صاحب هذا الكتاب، و حلفت بالمحرّجة المغلّظة: إنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي (عليه السلام) من الدنانير في الشستقة الصفراء فاستوفاه منّي، و تسلّمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة.و انصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولاها (عليه السلام) من جيبها، و هي تلثمه و تضعه على خدّها، و تطبقه على جفنها، و تمسحه على بدنها.فقلت تعجّبا منها: أ تلثمين كتابا، و لا تعرفين صاحبه؟!قالت: أيّها العاجز!

الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء، أعرني سمعك، و فرّغ لي قلبك، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، و أمّي من ولد الحواريّين تنسب إلى وصيّ المسيح شمعون، أنبئك العجب العجيب.إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه، و أنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريّين، و من القسّيسين و الرهبان ثلاثمائة رجل، و من ذوي الأخطار سبعمائة رجل، و جمع من أمراء الأجناد، و قوّاد العساكر، و نقباء الجيوش، و ملوك العشائر أربعة آلاف، و أبرز من بهو ملكه عرشا مسوّغا من أصناف الجواهر إلى صحن القصر، فرفعه فوق أربعين مرقاة.فلمّا صعد ابن أخيه، و أحدقت به الصلبان، و قامت الأساقفة عكفا، و نشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي، فلصقت بالأرض، و تقوّضت الأعمدة، فانهارت إلى القرار، و خرّ الصاعد من العرش مغشيّا عليه، فتغيّرت ألوان الأساقفة، و ارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك!

اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحيّ و المذهب الملكانيّ، فتطيّر جدّي من ذلك تطيّرا شديدا.و قال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة، و ارفعوا الصلبان، و أحضروا أخا هذا المدبّر العاثر المنكوس جدّه لأزوّج منه هذه الصبيّة، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده.فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأوّل، و تفرّق الناس، و قام جدّي قيصر مغتمّا و دخل قصره و ارخيت الستور، فأريت في تلك الليلة كان المسيح و الشمعون و عدّة من الحواريّين قد اجتمعوا في قصر جدّي، و نصبوا فيه منبرا يباري السماء علوّا، و ارتفاعا في الموضع الذي كان جدّي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) مع فتية، و عدّة من بنيه، فيقوم إليه المسيح، فيعتنقه فيقول: يا روح اللّه!

إنّي جئتك خاطبا من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، و أومأ بيده إلى أبي محمّد صاحب هذا الكتاب.فنظر المسيح إلى شمعون، فقال له: قد أتاك الشرف، فصل رحمك برحم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر و خطب محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و زوّجني، و شهد المسيح (عليه السلام)، و شهد بنو محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و الحواريّون.فلمّا استيقظت من نومي اشفقت أن أقصّ هذه الرؤيا على أبي و جدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها في نفسي و لا أبديها لهم، و ضرب صدري بمحبّة أبي محمّد حتّى امتنعت من الطعام و الشراب، و ضعفت نفسي، و دقّ شخصي، و مرضت مرضا شديدا، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلّا أحضره جدّي، و سأله عن دوائي، فلمّا برح به اليأس، قال: يا قرّة عيني!

فهل تخطر ببالك شهوة فازوّدكها في هذه الدنيا؟فقلت: يا جدّي!

أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، و فككت عنهم الأغلال، و تصدّقت عليهم، و مننتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح، و أمّه لي عافية و شفاء.فلمّا فعل ذلك جدّي تجلدت في إظهار الصحّة في بدني، و تناولت يسيرا من الطعام، فسرّ بذلك جدّي، و أقبل على إكرام الاسارى و إعزازهم.فرأيت أيضا بعد أربع ليال كأنّ سيّدة النساء قد زارتني، و معها مريم بنت عمران، و ألف وصيفة من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه، سيّدة النساء، أمّ زوجك أبي محمّد (عليه السلام)، فأتعلّق بها و أبكي و أشكو إليها امتناع أبي محمّد من زيارتي.فقالت لي سيّدة النساء (عليها السلام): إنّ ابني أبا محمّد لا يزورك، و أنت مشركة باللّه، و على مذهب النصارى، و هذه أختي مريم تبرأ إلى اللّه تعالى من دينك، فإن ملت إلى رضا اللّه عزّ و جلّ و رضا المسيح و مريم عنك، و زيارة أبي محمّد إيّاك، فتقولي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ- أبي- محمّدا رسول اللّه، فلمّا تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني سيّدة النساء إلى صدرها، فطيبت لي نفسي، و قالت:الآن توقّعي زيارة أبي محمّد إيّاك، فإنّي منفذه إليك، فانتبهت، و أنا أقول:وا شوقاه إلى لقاء أبي محمّد.فلمّا كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمّد (عليه السلام) في منامي فرأيته كأنّي أقول له:جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبّك؟!قال: ما كان تأخيري عنك إلّا لشركك، و إذ قد أسلمت فإنّي زائرك في كلّ ليلة إلى أن يجمع اللّه شملنا في العيان، فما قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.قال بشر: فقلت لها: و كيف وقعت في الأسر؟فقالت: أخبرني أبو محمّد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثمّ يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكّرة في زيّ الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا.ففعلت، فوقعت علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت و ما شاهدت، و ما شعر أحد [بي] بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك، و ذلك باطّلاعي إيّاك عليه، و لقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته، و قلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.فقلت: العجب!

إنّك روميّة، و لسانك عربيّ.قالت: بلغ من ولوع جدّي و حمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إليّ، فكانت تقصدني صباحا و مساء، و تفيدني العربيّة حتّى استمرّ عليها لساني، و استقام.قال بشر: فلمّا انكفأت بها إلى سرّ من رأى دخلت على مولانا أبي الحسن العسكريّ (عليه السلام) فقال لها: كيف أراك اللّه عزّ الإسلام، و ذلّ النصرانيّة، و شرف أهل بيت محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم).قالت: كيف أصف لك، يا ابن رسول اللّه!

ما أنت أعلم به منّي.قال: فإنّي أريد أن أكرمك، فأيّما أحبّ إليك عشرة آلاف درهم أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟قالت: بل البشرى.قال (عليه السلام): فابشري بولد يملك الدنيا شرقا و غربا، و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، قالت: ممّن؟قال (عليه السلام): ممّن خطبك رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) له من ليلة كذا، من شهر كذا، من سنة كذا بالروميّة.قالت: من المسيح، و وصيّه؟قال: فممّن زوّجك المسيح، و وصيّه؟قالت: من ابنك أبي محمّد.قال: فهل تعرفينه؟قالت: و هل خلوت ليلة من زيارته إيّاي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيّدة النساء أمّه.فقال أبو الحسن (عليه السلام): يا كافور!

ادع لي أختي حكيمة.فلمّا دخلت عليه، قال (عليه السلام) لها: ها هيه، فاعتنقتها طويلا و سرّت بها كثيرا، فقال لها مولانا: يا بنت رسول اللّه!

أخرجيها إلى منزلك، و علّميها الفرائض و السنن، فإنّها زوجة أبي محمّد، و أمّ القائم (عليه السلام).منتخب الأنوار المضيئة: 51 س 5، بتفاوت يسير.دلائل الإمامة: 489، ح 488، بتفاوت.

عنه حليلة الأبرار:، س 8، و مدينة المعاجز: س 5.روضة الواعظين: 277، س 3، بتفاوت.المناقب لابن شهرآشوب:، س 5، بتفاوت، و اختصار.الغيبة للطوسيّ: 208 ح 178، بتفاوت.

عنه البحار:، ح 3.

و عنه و عن الإكمال،-

[موسوعة الإمام العسكري عليه السلام ] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.