الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن عليّ بن محمّد بن حاتم النوفليّ، المعروف بالكرمانيّ، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ، قال: حدّثنا أحمد بن طاهر القمّيّ، قال: حدّثنا محمّد بن بحر بن سهل الشيبانيّ، قال: حدّثنا أحمد بن مسرور، عن سعد بن عبد اللّه القمّيّ، قال: كنت امرأ لهجا بجمع الكتاب المشتملة على غوامض العلوم و دقائقها كلفا باستظهار ما يصحّ لي من حقائقها، مغرما بحفظ مشتبهها و مستغلقها، شحيحا على ما أظفر به من معضلاتها و مشكلاتها، متعصّبا لمذهب الإماميّة، راغبا عن الأمن و السلامة في انتظار التنازع، و التخاصم، و التعدّي إلى التباغض و التشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كاشفا عن مثالب أئمّتهم، هتّاكا لحجب قادتهم، إلى أن بليت بأشدّإثبات الوصيّة: 260، س 23. عنه مستدرك الوسائل:، ح 17793، و 154، ح 17837، بتفاوت يسير.قطعة منه في (أولاده (عليه السلام) )، و (حكم العقيقة للولد)، و (كتابه (عليه السلام) إلى إبراهيم بن إدريس). إكمال الدين و إتمام النعمة: 408، ح 7.يأتي الحديث بتمامه في رقم 500. النواصب منازعة، و أطولهم مخاصمة، و أكثرهم جدلا، و أشنعهم سؤالا، و أثبتهم على الباطل قدما.فقال ذات يوم- و أنا أناظره-: تبّا لك و لأصحابك يا سعد! إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين و الأنصار بالطعن عليهما، و تجحدون من رسول اللّه ولايتهما و إمامتهما، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته.أ ما علمتم أنّ رسول اللّه ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد لأمر التأويل، و الملقى إليه أزمّة الأمّة، و عليه المعوّل في شعب الصدع، و لمّ الشعث، و سدّ الخلل، و إقامة الحدود، و تسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك.و كما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ ليس من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه.و لمّا رأينا النبيّ متوجّها إلى الانجحار و لم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد، استبان لنا قصد رسول اللّه بأبي بكر للغار للعلّة التي شرحناها.و إنّما أبات عليّا على فراشه لما لم يكن يكترث به، و لم يحفل به لاستثقاله و لعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصالح لها.قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتّى، فما زال يعقّب كلّ واحد منها بالنقض، و الردّ عليّ، ثمّ قال: يا سعد! و دونكها أخرى بمثلها تخطم أنوف الروافض، أ لستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرّأ من دنس الشكوك، و الفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق، و استدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصدّيق و الفاروق أسلما طوعا، أو كرها؟ قال سعد: فاحتلت لدفع هذه المسألة عنّي خوفا من الإلزام، و حذرا من أنّي إن أقررت له بطوعهما للإسلام احتجّ بأنّ بدء النفاق، و نشأه في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح القهر و الغلبة، و إظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد إليه قلبه نحو قول اللّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا ﴿بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾.و إن قلت أسلما كرها كان يقصدني بالطعن، إذ لم تكن ثمّة سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.قال سعد: فصدرت عنه مزوّرا قد انتفخت أحشائي من الغضب، و تقطّع كبدي من الكرب، و كنت قد اتّخذت طومارا و أثبتّ فيه نيّفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل عنها خبير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد (عليه السلام) فارتحلت خلفه.و قد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّمنرأى، فلحقته في بعض المنازل، فلمّا تصافحنا قال: بخير لحاقك بي؟!قلت: الشوق، ثمّ العادة في الأسئلة.قال: قد تكافينا على هذه الخطّة الواحدة، فقد برّح بي القرم إلى لقاء مولانا أبي محمّد (عليه السلام) و أنا أريد أن أسأله عن معاضل في التأويل، و مشاكل في التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة، فإنّها تقف بك على ضفّة بحر لا تنقضي عجائبه، و لا تفنى غرائبه و هو إمامنا.فوردنا سرّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا، فاستأذنا، فخرج علينا الاذن بالدخول عليه.و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبريّ فيه مائة و ستّون صرّة من الدنانير و الدراهم على كلّ صرّة منها ختم صاحبها.قال سعد: فما شبّهت وجه مولانا أبي محمّد (عليه السلام) حين غشينا نور وجهه إلّا ببدر قد استوفي من لياليه أربعا بعد عشر، و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، على رأسه فرق بين و فرتين، كأنّه ألف بين واوين، و بين يدي مولانا رمّانة ذهبيّة تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة.و بيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض شيئا قبض الغلام على أصابعه، فكان مولانا يد حرج الرمّانة بين يديه و يشغله بردّها كيلا يصدّه عن كتابة ما أراد، فسلّمنا عليه، فألطف في الجواب و أومأ إلينا بالجلوس.فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طيّ كسائه، فوضعه بين يديه، فنظر الهادي (عليه السلام) إلى الغلام، و قال له: يا بنيّ! فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك.فقال: يا مولاي! أ يجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة، و أموال رجسة، قد شيب أحلّها بأحرمها؟فقال مولاي: يا ابن إسحاق! استخرج ما في الجراب ليميّز ما بين الحلال و الحرام منها، فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها.قال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقمّ يشتمل على اثنتين و ستّيندينارا فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها، و كانت إرثا له عن أبيه خمسة و أربعون دينارا، و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير.فقال مولانا: صدقت يا بنيّ! دلّ الرجل على الحرام منها.فقال (عليه السلام): فتّش عن دينار رازيّ السكّة تاريخه سنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، و قراضة آمليّة وزنها ربع دينار، و العلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الصرّة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا و ربع منّ، فأتت على ذلك مدّة، و في انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه، فكذّبه و استردّ منه بدل ذلك منّا و نصف منّ غزلا، أدقّ ممّا كان دفعه إليه، و اتّخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه.فلمّا فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه و بمقدارها على حسب ما قال، و استخرج الدينار و القراضة بتلك العلامة.ثمّ أخرج صرّة أخرى، فقال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلّة كذا بقمّ تشتمل على خمسين دينارا، لا يحلّ لنا لمسها، قال: و كيف ذاك؟قال: لأنّها من ثمن حنطة حاف صاحبها على أكّاره في المقاسمة، و ذلك أنّه قبض حصّته منها بكيل واف، و كان ما حصّ الأكّار بكيل بخس.فقال مولانا: صدقت يا بنيّ! ثمّ قال: يا أحمد بن إسحاق! احملها بأجمعها لتردّها، أو توصي بردّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شيء منها، و ائتنا بثوب العجوز.قال أحمد: و كان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته.فلمّا انصرف أحمد ابن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إليّ مولانا أبو محمّد (عليه السلام)، فقال: ما جاء بك يا سعد!؟فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق على لقاء مولانا.قال: و المسائل التي أردت أن تسأله عنها؟قلت: على حالها يا مولاي.قال: فسل قرّة عيني- و أومأ إلى الغلام-.فقال لي الغلام: سل! عمّا بدا لك منها.فقلت له: مولانا و ابن مولانا! إنّا روينا عنكم أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة أنّك قد أرهجت على الإسلام و أهله بفتنتك، و أوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك، فإن كففت عنّي غربك و إلّا طلّقتك، و نساء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قد كان طلاقهنّ وفاته؟قال (عليه السلام): ما الطلاق؟ قلت: تخلية السبيل.قال: فإذا كان طلاقهنّ وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قد خليت لهنّ السبيل، فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج.قلت: لأنّ اللّه تبارك و تعالى حرّم الأزواج عليهنّ.قال: كيف و قد خلّى الموت سبيلهنّ؟!قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوّض رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) حكمه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟قال: انّ اللّه تقدّس اسمه عظّم شأن نساء النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فخصّهنّ بشرفالأمّهات، فقال رسول اللّه: يا أبا الحسن! إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن للّه على الطاعة، فأيّتهنّ عصت اللّه بعدي بالخروج عليك، فأطلق لها في الأزواج و أسقطها من شرف أمومة المؤمنين.قلت: فأخبرني عن الفاحشة المبيّنة التي إذا أتت المرأة بها في عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته؟قال: الفاحشة المبيّنة هي السحق دون الزنا، فإنّ المرأة إذا زنت و أقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزوّج بها لأجل الحدّ، و إذا سحقت وجب عليها الرجم، و الرجم خزي، و من قد أمر اللّه برجمه فقد أخزاه، و من أخزاه فقد أبعده، و من أبعده فليس لأحد أن يقربه.قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه! عن أمر اللّه لنبيّه موسى (عليه السلام) ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من أهاب الميتة؟فقال (عليه السلام): من قال ذلك فقد افترى على موسى، و استجهله في نبوّته، لأنّه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين إمّا أن تكون صلاة موسى فيهما جائزة، أو غير جائزة، فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة، و إن كانت مقدّسة مطهّرة، فليست بأقدس و أطهر من الصلاة، و إن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنّه لم يعرف الحلال من الحرام، و ما علم ما تجوز فيه الصلاة و ما لم تجز، و هذا كفر.قلت: فأخبرني يا مولاي، عن التأويل فيهما؟قال: إنّ موسى ناجى ربّه بالواد المقدّس، فقال: يا ربّ! إنّي قد أخلصت لكالمحبّة منّي و غسلت قلبي عمّن سواك- و كان شديد الحبّ لأهله- فقال اللّه تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ اى انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة، و قلبك من الميل إلى من سواي مغسولا.قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه! عن تأويل كهيعص ؟قال: هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع اللّه عليها عبده زكريّا، ثمّ قصّها على محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ذلك أنّ زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلّمه إيّاها، فكان زكريّا إذا ذكر محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين سرى عنه همّه و انجلى كربه.و إذا ذكر الحسين خنقته العبرة، و وقعت عليه البهرة، فقال: ذات يوم: يا إلهي! ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، و إذا ذكرت الحسين تدمع عيني و تثور زفرتي؟فأنباه اللّه تعالى عن قصّته، و قال: كهيعص (فالكاف) اسم كربلاء، و (الهاء) هلاك العترة، و (الياء) يزيد، و هو ظالم الحسين (عليه السلام)، و (العين) عطشه، و (الصاد) صبره.فلمّا سمع ذلك زكريّا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام، و منع فيها الناس من الدخول عليه، و أقبل على البكاء و النحيب، و كانت ندبته:«إلهي أتفجّع خير خلقك بولده؟إلهي أ تنزل بلوى هذه الرزيّة بفنائه؟إلهي أتلبس عليّا و فاطمة ثياب هذه المصيبة؟إلهي أ تحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟!»ثمّ كان يقول: «اللّهمّ ارزقني ولدا تقرّ به عيني على الكبر، و اجعلهوارثا وصيّا، و اجعل محلّه منّي محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثمّ فجّعنى به كما تفجّع محمّدا حبيبك بولده».فرزقه اللّه يحيى، و فجّعه به. و كان حمل يحيى ستّة أشهر، و حمل الحسين (عليه السلام) كذلك، و له قصّة طويلة.قلت: فأخبرني يا مولاي، عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟قال: مصالح أو مفسد؟قلت مصالح، قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟قلت: بلى! قال: فهي العلّة و أوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه تعالى، و أنزل عليهم الكتاب، و أيّدهم بالوحي و العصمة إذ هم أعلام الأمم، و أهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى و عيسى (عليهما السلام)، هل يجوز مع وفور عقلهما و كمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق، و هما يظنّان انّه مؤمن؟ قلت: لا.فقال: هذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله، و كمال علمه، و نزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم و إخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين.قال اللّه تعالى: وَ اخْتارَ ﴿مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ - إلى قوله- ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ.فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصالح و هو يظنّ انّه الأصالح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور، و ما تكنّ الضمائر، و تتصرّف عليه السرائر، و أن لا خطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح.ثمّ قال مولانا: يا سعد! و حين ادّعى خصمك: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمّة إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد أمور التأويل و الملقى إليه أزمّة الأمّة، و عليه المعوّل في لمّ الشعث، و سدّ الخلل، و إقامة الحدود، و تسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ لم يكن من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه، و إنّما أبات عليّا على فراشه لما لم يكن يكترث له و لم يحفل به لاستثقاله إيّاه و علمه أنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصالح لها، فهلّا نقضت عليه دعواه بقولك: أ ليس قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الخلافة بعدي ثلاثون سنة، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، فكان لا يجد بدّا من قوله لك: بلى!قلت: فكيف تقول حينئذ أ ليس كما علم رسول اللّه أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر، و من بعد عمر لعثمان، و من بعد عثمان لعليّ، فكان أيضا لا يجد بدّا من قوله لك: نعم، ثمّ كنت تقول له: فكان الواجب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يخرجهم جميعا [على الترتيب] إلى الغار، و يشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر و لا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم و تخصيصه أبا بكر و إخراجه مع نفسه دونهم. و لمّا قال: أخبرني عن الصدّيق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها، لم لم تقل له:بل أسلما طمعا، و ذلك بأنّهما كانا يجالسان اليهود و يستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة و في سائر الكتاب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و من عواقب أمره.فكانت اليهود تذكر أنّ محمّدا يسلّط على العرب كما كان بختنصّر سلّط على بني اسرائيل، و لا بدّ له من الظفر بالعرب كما ظفر بختنصّر ببني اسرائيل، غير أنّه كاذب في دعواه أنّه نبيّ، فأتيا محمّدا، فساعداه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و بايعاه، طمعا في أن ينال كلّ واحد منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره، و استتبّت أحواله.فلمّا آيسا من ذلك تلثّما، و صعدا العقبة مع عدّة من أمثالهما من المنافقين على أن يقتلوه، فدفع اللّه تعالى كيدهم، و ردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا كما أتى طلحة و الزبير عليّا (عليه السلام) فبايعاه، و طمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد، فلمّا آيسا نكثا بيعته و خرجا عليه، فصرع اللّه كلّ واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين.قال سعد: ثمّ قام مولانا الحسن بن عليّ الهادي (عليه السلام) للصلاة مع الغلام، فانصرفت عنهما و طلبت أثر أحمد بن إسحاق، فاستقبلني باكيا، فقلت: ما أبطأك و أبكاك؟قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره، قلت: لا عليك، فأخبره، فدخل عليه مسرعا، و انصرف من عنده متبسّما، و هو يصلّي على محمّد و آل محمّد، فقلت: ما الخبر؟قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا يصلّي عليه.قال سعد: فحمدنا اللّه تعالى على ذلك، و جعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى منزل مولانا أيّاما، فلا نرى الغلام بين يديه. فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا و أحمد بن إسحاق و كهلان من أهل بلدنا و انتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما، و قال: يا ابن رسول اللّه! قد دنت الرحلة و اشتدّ المحنة، فنحن نسأل اللّه تعالى أن يصلّي على المصطفى جدّك، و على المرتضى أبيك، و على سيّدة النساء أمّك، و على سيّدي شباب أهل الجنّة عمّك و أبيك، و على الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك، و أن يصلّي عليك و على ولدك، و نرغب إلى اللّه أن يعلى كعبك، و يكبت عدوّك و لا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك، قال: فلمّا قال هذه الكلمات استعبر مولانا حتّى استهلّت دموعه، و تقاطرت عبراته، ثمّ قال: يا ابن إسحاق!لا تكلّف في دعائك شططا، فإنّك ملاق اللّه تعالى في صدرك هذا، فخرّ أحمد مغشيّا عليه، فلمّا أفاق، قال: سألتك باللّه و بحرمة جدّك إلّا شرّفتني بخرقة أجعلها كفنا؟فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما، فقال: خذها و لا تنفق على نفسك غيرها! فإنّك لن تعدم ما سألت، و إنّ اللّه تبارك و تعالى لن يضيع أجر من أحسن عملا.قال سعد: فلمّا انصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ، حمّ أحمد بن إسحاق و ثارت به علّة صعبة أيس من حياته فيها، فلمّا وردنا حلوان و نزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها. ثمّ قال: تفرّقوا عنّي هذه الليلة و اتركوني وحدي، فانصرفنا عنه، و رجع كلّ واحد منّا إلى مرقده.قال سعد: فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة، ففتحتمجمع البحرين:، (كعب). عيني فإذا أنا بكافور الخادم، (خادم مولانا أبي محمّد (عليه السلام) ) و هو يقول: أحسن اللّه بالخير عزاءكم، و جبر بالمحبوب رزيّتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم و من تكفينه، فقوموا لدفنه فإنّه من أكرمكم محلّا عند سيّدكم، ثمّ غاب عن أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء و العويل حتّى قضينا حقّه، و فرغنا من أمره (رحمه الله).، ح 166، باختصار، و، ح 41، قطعة منه، و البرهان: ح 3، قطعة منه.دلائل الإمامة: 506، ح 49 و فيه: أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه محمّد الثعالبيّ، قراءة في يوم الجمعة مستهلّ الرجب، سنة سبعين و ثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عليّ أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف القمّيّ، قال: كنت...، بتفاوت يسير. عنه مدينة المعاجز:، ح 2677، و حلية الأبرار:، س 4، أشار إليه.الاحتجاج:، ح 341، بتفاوت. عنه تأويل الآيات الظاهرة: 29 س 6، قطعة منه. و عنه و عن الإكمال و الدلائل، البحار:، ح 1.إرشاد القلوب: 421، س 2 باختصار.الخرائج و الجرائح:، ح 2 باختصار. عنه مدينة المعاجز:، ح 2761.الثاقب في المناقب: 585، ح 534، قطعة منه، مرسلا.ينابيع المودّة:، ح 5، قطعة منه.قطعة منه في (لقبه (عليه السلام) )، و (شمائله (عليه السلام) )، و (أحوال ابنه المهديّ (عليهما السلام) )، و (إخباره (عليه السلام) بموت أحمد بن إسحاق)، و (إحضار الثوب من غير سبب)، و (بكاؤه (عليه السلام) عند وداع الأصحاب)، و (صلاته مع ابنه المهديّ (عليهما السلام) )، و (كيفيّة كتابته (عليه السلام) )، و (هدايا الناس إليه)، و (إعطاؤه (عليه السلام) الدنانير و الدراهم)، و (إرسال خادمه (عليه السلام) لتجهيز أحمد بن إسحاق)، و (غلمانه و جواريه (عليه السلام) )، و (مدح أحمد بن إسحاق). عهده إلى ابنه (عليهما السلام)
[موسوعة الإمام العسكري عليه السلام ] · موسوعة الغيبة والظهور