الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
موسوعة الإمام العسكري عليه السلام · رقم ١٤٧

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّهقطعة منه في (ما رواه عن الإمام الحسين (عليهما السلام) ). عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ ﴿‏عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ‏﴾ لمّا اصطادوا السموك فيه ﴿‏فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏﴾ مبعدين عن كلّ خير.فَجَعَلْناها [أي] جعلنا تلك المسخة التي أخزيناهم، و لعنّاهم بها نَكالًا عقابا و ردعا لِما بَيْنَ يَدَيْها بين يدي المسخة من ذنوبهم الموبقات التي استحقّوا بها العقوبات.وَ ما خَلْفَها للقوم الذين شاهدوهم بعد مسخهم يرتدعون عن مثل أفعالهم لمّا شاهدوا ما حلّ بهم من عقابنا.وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يتّعظون بها فيفارقون المخزيات، و يعظون [بها] الناس و يحذّرونهم المرديات.و قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر نهاهم اللّه و أنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت.فتوصّلوا إلى حيلة ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرّم اللّه، فخدّوا أخاديد، و عملوا طرقا تؤدّي إلى حياض يتهيّأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق، و لا يتهيّأ لها الخروج إذا همّت بالرجوع [منها إلى اللجج].فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان اللّه [لها] فدخلت الأخاديد، و حصّلت في الحياض و الغدران، فلمّا كانت عشيّة اليوم همّت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن صائدها، فرامت الرجوع فلم تقدر و أبقيت ليلتها في مكان يتهيّأ أخذها [يوم الأحد] بلا اصطياد لاسترسالها فيه، و عجزها عن الامتناعلسان العرب: (غدر). لمنع المكان لها.فكانوا يأخذونها يوم الأحد، و يقولون ما اصطدنا يوم السبت، إنّما اصطدنا في الأحد، و كذب أعداء اللّه بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتّى كثر من ذلك ما لهم و ثراؤهم، و تنعّموا بالنساء و غيرهنّ لاتّساع أيديهم به.و كانوا في المدينة نيّفا و ثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا، و أنكر عليهم الباقون، كما قصّ اللّه تعالى: وَ سْئَلْهُمْ ﴿‏عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ‏﴾ الآية.و ذلك أنّ طائفة منهم وعظوهم و زجروهم، و من عذاب اللّه خوّفوهم، و من انتقامه و شديد بأسه حذّروهم، فأجابوهم عن وعظهم ﴿‏لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ‏﴾ بذنوبهم هلاك الاصطلام أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.فأجابوا القائلين لهم هذا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ [هذا القول منّا لهم معذرة إلى ربّكم] إذ كلّفنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم، و كراهتنا لفعلهم.قالوا: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ و نعظهم أيضا لعلّهم تنجع فيهم المواعظ فيتّقوا هذه الموبقة، و يحذروا عقوبتها.قال اللّه عزّ و جلّ: فَلَمَّا عَتَوْا حادوا و أعرضوا و تكبّروا عن قبولهم الزجر ﴿‏عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏﴾ مبعدين عن الخير مقصين.قال: فلمّا نظر العشرة الآلاف و النيّف أنّ السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم،و لا يحفلون بتخويفهم إيّاهم و تحذيرهم لهم، اعتزلوهم إلى قرية أخرى قريبة من قريتهم، و قالوا: نكره أن ينزل بهم عذاب اللّه و نحن في خلالهم، فامسوا ليلة، فمسخهم اللّه تعالى كلّهم قردة [خاسئين]، و بقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منه أحد، [و لا يدخله أحد].و تسامع بذلك أهل القرى، فقصدوهم، و تسنّموا حيطان البلد فاطّلعوا عليهم فإذا هم كلّهم رجالهم و نساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم، و قراباتهم و خلطاءهم، يقول المطّلع لبعضهم: أنت فلان، أنت فلانة، فتدمع عينه و يومئ برأسه (بلا، أو نعم).فما زالوا كذلك ثلاثة أيّام، ثمّ بعث اللّه عزّ و جلّ [عليهم] مطرا و ريحا فجرفهم إلى البحر، و ما بقي مسخ بعد ثلاثة أيّام، و إنّما الذين ترون من هذه المصوّرات بصورها فإنّما هي أشباهها، لا هي بأعيانها و لا من نسلها.ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): إنّ اللّه تعالى مسخ هؤلاء لاصطياد السمك، فكيف ترى عند اللّه عزّ و جلّ [يكون] حال من قتل أولاد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هتك حريمه؟إنّ اللّه تعالى و إن لم يمسخهم في الدنيا، فإنّ المعدّ لهم من عذاب [اللّه في] الآخرة [أضعاف] أضعاف عذاب المسخ.فقيل له: يا ابن رسول اللّه! فإنّا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض النصّاب: فإن كان قتل الحسين (عليه السلام) باطلا فهو أعظم من صيد السمك في السبت، أ فما كان يغضب اللّه على قاتليه كما غضب على صيّادي السمك.قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قل لهؤلاء النصّاب: فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه فأهلك اللّه تعالى من شاء منهم كقوم نوح و فرعون، و لم يهلك إبليس و هو أولى بالهلاك، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في عمل الموبقات، و أمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات، إلّا كان ربّنا عزّ و جلّ حكيما بتدبيره، و حكمه فيمن أهلك، و فيمن استبقى، فكذلك هؤلاء الصائدون [للسمك] في السبت، و هؤلاء القاتلون للحسين (عليه السلام) يفعل في الفريقين ما يعلم أنّه أولى بالصواب و الحكمة، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ.ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): أما إنّ هؤلاء الذين اعتدوا في السبت لو كانوا حين همّوا بقبيح أفعالهم سألوا ربّهم بجاه محمّد و آله الطيّبين أن يعصمهم من ذلك لعصمهم، و كذلك الناهون لهم لو سألوا اللّه عزّ و جلّ أن يعصمهم بجاه محمّد و آله الطيّبين لعصمهم، و لكنّ اللّه تعالى لم يلهمهم ذلك، و لم يوفّقهم له، فجرت معلومات اللّه تعالى فيهم على ما كان سطره في اللوح المحفوظ.و قال الباقر (عليه السلام): فلمّا حدّث عليّ بن الحسين (عليهما السلام) بهذا الحديث، قال له بعض من في مجلسه: يا ابن رسول اللّه! كيف يعاقب اللّه، و يوبّخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم، و هو يقول عزّ و جلّ: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؟فقال زين العابدين (عليه السلام): إنّ القرآن [نزل] بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل [هذا] اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميميّ- قد أغار قومه على بلد، و قتلوا من فيه- أغرتم على بلد كذا [و كذا] و قتلتم كذا، و يقول العربيّ أيضا: نحن فعلنا ببني فلان، و نحن سبينا آل فلان، و نحن خرّبنا بلد كذا، لا يريد أنّهم باشروا ذلك، و لكن يريد هؤلاء بالعذل، و أولئك بالافتخار أنّ قومهم فعلوا كذا، و قول اللّه تعالى في هذه الآيات إنّما هو توبيخ لأسلافهم، و توبيخ العذل على هؤلاءالموجودين، لأنّ ذلك هو اللغة التي بها أنزل القرآن، فلأنّ هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم مصوّبون ذلك لهم، فجاز أن يقال [لهم]: أنتم فعلتم، أي إذ رضيتم بقبيح فعلهم.قوله تعالى: وَ إِذْ ﴿‏قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا‏﴾ أَ تَتَّخِذُنا ﴿‏هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ‏﴾ وَ لا ﴿‏بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏﴾.﴿‏قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا‏﴾ وَ إِنَّا ﴿‏إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ‏﴾ وَ لا ﴿‏تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها‏﴾ وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ. وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: - 73.، س 6، بتفاوت يسير.الاحتجاج:، ح 177، بتفاوت.عنه و عن التفسير، البحار:، ح 2.قطعة منه في (سورة الأنعام: )، و (سورة الأعراف:، و 166)، و (ما رواه عن الإمام السجاد (عليهما السلام) )، و (ما رواه عن الإمام الباقر (عليهما السلام) ). قال اللّه عزّ و جلّ ليهود المدينة: و اذكروا وَ إِذْ ﴿‏قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً‏﴾ تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم، ليقوم حيّا سويّا بإذن اللّه عزّ و جلّ، و يخبركم بقاتله.و ذلك حين ألقي القتيل بين أظهرهم، فألزم موسى (عليه السلام) أهل القبيلة بأمر اللّه تعالى أن يحلف خمسون من أماثلهم باللّه القويّ الشديد إله [موسى و] بني إسرائيل مفضّل محمّد و آله الطيّبين على البرايا أجمعين: [أنّا] ما قتلناه، و لا علمنا له قاتلا.فإن حلفوا بذلك، غرّموا دية المقتول، و إن نكلوا نصّوا على القاتل، أو أقرّ القاتل فيقاد منه، فإن لم يفعلوا حبسوا في محبس ضنك إلى أن يحلفوا، أو يقرّوا، أو يشهدوا على القاتل.فقالوا: يا نبيّ اللّه! أما وقت أيماننا أموالنا، و [لا] أموالنا أيماننا؟قال: لا، هكذا حكم اللّه.و كان السبب أنّ امرأة حسناء ذات جمال، و خلق كامل، و فضل بارع، و نسب شريف، و ستر ثخين، كثر خطّابها، و كان لها بنو أعمام ثلاثة، فرضيت بأفضلهم علما، و أثخنهم سترا، و أرادت التزويج به.فاشتدّ حسد ابني عمّه الآخرين له [غيضا]، و غبطاه عليها لإيثارها إيّاه، فعمدا إلى ابن عمّهما المرضيّ، فأخذاه إلى دعوتهما، ثمّ قتلاه و حملاه إلى محلّة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل، فألقياه بين أظهرهم ليلا.فلمّا أصبحوا وجدوا القتيل هناك، فعرف حاله، فجاء ابنا عمّه القاتلان له، فمزّقا [ثيابهما] على أنفسهما، و حثيا التراب على رءوسهما، و استعديا عليهم.فأحضرهم موسى (عليه السلام) و سألهم، فأنكروا أن يكونوا قتلوه، أو علموا قاتله.فقال: فحكم اللّه عزّ و جلّ على من فعل هذه الحادثة ما عرفتموه، فالتزموه.فقالوا: يا موسى! أيّ نفع في أيماننا [لنا]، إذا لم تدرأ عنّا الغرامة الثقيلة؟أم أيّ نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرأ عنّا الأيمان؟فقال موسى (عليه السلام): كلّ النفع في طاعة اللّه، و الايتمار لأمره، و الانتهاء عمّا نهى عنه.فقالوا: يا نبيّ اللّه! غرم ثقيل و لا جناية لنا، و أيمان غليظة و لا حقّ في رقابنا، [لو] أنّ اللّه عرفنا قاتله بعينه، و كفانا مئونته، فادع لنا ربّك يبيّن لنا هذا القاتل، لتنزل به ما يستحقّه من العقاب، و ينكشف أمره لذوي الألباب.فقال موسى (عليه السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ قد بيّن ما أحكم به في هذا، فليس لي أن أقترح عليه غير ما حكم و لا اعترض عليه فيما أمر.أ لا ترون أنّه لمّا حرّم العمل في يوم السبت، و حرّم لحم الجمل، لم يكن لنا أن نقترح عليه أن يغيّر ما حكم به علينا من ذلك. بل علينا أن نسلّم له حكمه، و نلتزم ما ألزمنا، و همّ بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثهم.فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا موسى! أجبهم إلى ما اقترحوا، و سلني أن أبيّن لهم القاتل، ليقتل و يسلم غيره من التهمة و الغرامة، فإنّي إنّما أريد بإجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل من خيار أمّتك دينه الصلاة على محمّد و آله الطيّبين، و التفضيل لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ بعده على سائر البرايا أغنية في الدنيا في هذه القضيّة، ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمّد و آله. فقال موسى: يا ربّ! بيّن لنا قاتله؟فأوحى اللّه تعالى إليه: قل لبني إسرائيل: إنّ اللّه يبيّن لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوا ببعضها المقتول، فيحيي، فتسلّمون لربّ العالمين ذلك، و إلّا فكفّوا عن المسألة، و التزموا ظاهر حكمي.فذلك ما حكى اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ ﴿‏قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ‏﴾- أي سيأمركم- أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً إن أردتم الوقوف على القاتل، و تضربوا المقتول ببعضها، ليحيى و يخبر بالقاتل.قالُوا- يا موسى- أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [و] سخريّة؟تزعم أنّ اللّه يأمرنا أن نذبح بقرة، و نأخذ قطعة من ميّت، و نضرب بها ميّتا، فيحيى أحد الميّتين بملاقات بعض الميّت الآخر، [له] فكيف يكون هذا؟!قالَ- موسى- ﴿‏أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏﴾ أنسب إلى اللّه تعالى ما لم يقل لي، و أن أكون من الجاهلين، أعارض أمر اللّه بقياسي على ما شاهدت دافعا لقول اللّه عزّ و جلّ و أمره.ثمّ قال موسى (عليه السلام): أو ليس ماء الرجل نطفة ميّتة، و ماء المرأة كذلك، ميّتان يلتقيان، فيحدث اللّه تعالى من التقاء الميّتين بشرا حيّا سويّا، أو ليس بذوركم التي تزرعونها في أرضيكم تتفسّخ و تتعفّن و هي ميّتة، ثمّ يخرج اللّه منها هذه السنابل الحسنة البهيجة، و هذه الأشجار الباسقة المونقة.فلمّا بهرهم موسى (عليه السلام) قالُوا له: ﴿‏يا موسى! ادْعُ لَنا رَبَّكَ‏﴾ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ [أي] ما صفتها لنقف عليها.فسأل موسى ربّه عزّ و جلّ، فقال: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ كبيرة وَ لا بِكْرٌ صغيرة [لم تغبط] عَوانٌ وسط بَيْنَ ذلِكَ بين الفارض و البكر فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ إذا أمرتم به.﴿‏قالُوا- يا موسى- ادْعُ لَنا رَبَّكَ‏﴾ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها.قالَ [موسى]- عن اللّه بعد السؤال و الجواب- إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ حسن الصفرة ليس بناقص يضرب إلى البياض، و لا بمشبع يضرب إلى السواد لَوْنُها هكذا فاقع تَسُرُّ- البقرة- النَّاظِرِينَ إليها لبهجتها و حسنها و بريقها.﴿‏قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ‏﴾ ما صفتها [يزيد في صفتها].قالَ- عن اللّه تعالى- ﴿‏إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ‏﴾ لم تذلّل لإثارة الأرض، و لم ترض بها وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ، و لا هي ممّا تجرّ الدلاء، و لا تدير النواعير، قد أعفيت من ذلك أجمع مُسَلَّمَةٌ من العيوب كلّها لا عيب فيها لا شِيَةَ فِيها لا لون فيها من غيرها.فلمّا سمعوا هذه الصفات قالوا: يا موسى! [أ] فقد أمرنا ربّنا بذبح بقرة هذه صفتها؟ قال: بلى.و لم يقل موسى في الابتداء إنّ اللّه قد أمركم، لأنّه لو قال: إنّ اللّه أمركم لكانوا إذا ﴿‏قالوا: ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي‏﴾، و ما لونها [و ما هي]، كان لا يحتاج أن يسأله- ذلك- عزّ و جلّ، و لكن كان يجيبهم هو بأن يقول: أمركم ببقرة، فأيّ شيء وقع عليه اسم بقرة، فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها.قال: فلمّا استقرّ الأمر عليهم، طلبوا هذه البقرة، فلم يجدوها إلّا عند شابّ من بني إسرائيل أراه اللّه عزّ و جلّ في منامه محمّدا، و عليّا، و طيّبي ذرّيّتهما، فقالا له:إنّك كنت لنا [وليّا] محبّا و مفضّلا، و نحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا فإذا راموا شراء بقرتك، فلا تبعها إلّا بأمر أمّك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يلقّنها ما يغنيك به و عقبك، ففرح الغلام.و جاءه القوم يطلبون بقرته، فقالوا: بكم تبيع بقرتك هذه؟قال: بدينارين و الخيار لأمّي، قالوا: قد رضينا [بدينار]، فسألها؟فقالت: بأربعة، فأخبرهم، فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر أمّه، فقالت: بثمانية، فما زالوا يطلبون على النصف ممّا يقول أمّه و يرجع إلى أمّه، فتضعّف الثمن حتّى بلغ ثمنها ملء مسك ثور أكبر ما يكون ملؤه دنانير، فأوجب لهم البيع، ثمّ ذبحوها و أخذوا قطعة، و هي عجز الذنب الذي منه خلق ابن آدم، و عليه يركّب إذا أعيد خلقا جديدا، فضربوه بها، و قالوا: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين لمّا أحييت هذا الميّت، و أنطقته ليخبرنا عن قاتله».فقام سالما سويّا، و قال: [يا نبيّ اللّه]! قتلني هذان ابنا عمّي حسداني على بنت عمّي، فقاتلاني، و ألقياني في محلّة هؤلاء ليأخذا ديتي [منهم].فأخذ موسى (عليه السلام) الرجلين فقتلهما، و كان قبل أن يقوم الميّت ضرب بقطعة من البقرة، فلم يحي، فقالوا: يا نبيّ اللّه! أين ما وعدتنا عن اللّه عزّ و جلّ؟فقال موسى (عليه السلام): [قد صدقت]، و ذلك إلى اللّه عزّ و جلّ.فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى! إنّي لا أخلف وعدي، و لكن ليقدّموا للفتى ثمن بقرته ملء مسكها دنانير، ثمّ أحيي هذا.فجمعوا أموالهم، فوسّع اللّه جلد الثور حتّى وزن ما ملئ به جلده، فبلغ خمسة آلاف ألف دينار. فقال بعض بني إسرائيل لموسى (عليه السلام):- و ذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة- لا ندري أيّهما أعجب: إحياء اللّه هذا، و إنطاقه بما نطق، أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟!فأوحى اللّه إليه: يا موسى! قل لبني إسرائيل: من أحبّ منكم أن أطيّب في الدنيا عيشه، و أعظّم في جنّاتي محلّه، و أجعل لمحمّد و آله الطيّبين فيها منادمته، فليفعل كما فعل هذا الفتى، إنّه كان قد سمع من موسى بن عمران (عليه السلام) ذكر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و آلهما الطيّبين، فكان عليهم مصلّيا، و لهم على جميع الخلائق من الجنّ و الإنس و الملائكة مفضّلا.فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم، ليتنعّم بالطيّبات، و يتكرّم بالهبات و الصلات، و يتحبّب بمعروفه إلى ذوي المودّات، و يكبت بنفقاته ذوي العداوات.قال الفتى: يا نبيّ اللّه! كيف أحفظ هذه الأموال؟ أم كيف أحذر

[موسوعة الإمام العسكري عليه السلام ] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.