فقلت في نفسي:
لو شاء مولاي لكشف لنا عنهم حتّى نراهم كما يروننا.
فقال:
حيّوا بعمّي و قرّة عيني أبي جعفر، ثمّ مدّ يده و مرّ على أعيننا، فكان بيننا و بينهم سدّا، ثمّ كشف عن أعيننا و تجلّت، فأردنا أن نعتنقهم.
فقال لنا:
حرمة الطعام أوجب، فقد بدأتم به، فإذا قضيتم أريكم منه، فافعلوا بإخوانكم ما تشاءون.
فلبثنا ننظر إليهم شحب الألوان نحل الأبدان غاضّين أعينهم، يتكلّمون خفاتا، و أعينهم ترغرغ بالدمع.
فقلنا:
يا سيّدنا!
الجنّ بهذه الصورة كلّهم؟!
فقال:
لا، فيهم ما فيكم، و أمّا هؤلاء فاسألوهم، فإنّهم لا يطعمون طعاما و لا يشربون شرابا إلّا في وقت قيام نبيّ أو وصيّ، فيأمرهم فيأكلون طاعة له، لا رغبة في الطعام و الشراب، و قد صرفوا أنفسهم للّه، و أشغلتهم الرهبة و الخوف من اللّه عن الطعام و الشراب، فصارت صورهم كما ترون.
فقلنا:
يا سيّدنا!
لقد أقررت أعيننا بالنظر إلى إخواننا هؤلاء من الجنّ.
فقال:
الآن قد قبلت أعمالكم عندنا، و علمنا أنّ للّه عبادا مكرمين فوقنا في درجات اللّه في طاعته.
قال:
لمواليكم من إخوان الجنّ كالخرس، لا ينطقون نطقة، و لا برمقة عيوننا حتّى أذن لهم، فكان الستر بيننا و بينهم قد أسبل على أعيننا....
موسوعة الإمام العسكري عليه السلام — ص 372 · الثاني عشر- إخباره (عليه السلام) بأقسام الجنّ: