الأصولين: هما علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه.صفحة 184بقدومه، فوردوا كلّهم لزيارته وللانتفاع بعلومه، فأقام في قاهرة مصر مدّة تسعة أشهر، ونحن معه على أحسن حال وإذا بقافلة قد وردت من الأندلس ومع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرّفه فيه بمرض شديد قد عرض له وانّه يتمنّى الاجتماع به قبل الممات، ويحثّه فيه على عدم التأخير.فرقّ الشيخ من كتاب أبيه وبكى، وصمّم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس، فعزم بعض السلامذة على صحبته، ومن الجملة أنا، لأنّه هداه الله قد كان أحبّني محبّة شديدة وحسّن لي المسير معه، فسافرت إلى الأندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أوّل قرية من الجزيرة المذكورة، عرضت لي حمّى منعتني عن الحركة.فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رقّ لي وبكى، وقال: يعزّ عليّ مفارقتك، فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا اليها عشرة دراهم، وأمره أن يتعاهدني حتى يكون منّي أحد الأمرين، وانّ من الله بالعافية اتّبعه إلى بلده، هكذا عهد إليّ بذلك وفّقه الله بنور الهداية إلى طريق الحقّ المستقيم، ثمّ مضى إلى بلد الأندلس، ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيام.فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدّة ما أصابني من الحمّى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمّى، وخرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قَفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف والسمن والأمتعة، فسألت عن حالهم فقيل: انّ هؤلاء يجيئون من جهة قريبة من أرض البربر، وهي قريبة من جزائر الرافضة.فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت اليهم، وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم، فقيل لي: انّ المسافة خمسة وعشرون يوماً، منها يومان بغير عمارة ولا ماء، وبعد ذلك فالقرى متّصلة، فاكتريت معهم من رجل حماراً بمبلغ ثلاثة دراهم، لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها، فلمّا قطعنا معهم تلك المسافة، ووصلنا أرضهم العامرة، تمشّيت راجلا وتنقّلت على اختياري من قرية إلى اُخرى [إلى ] أن وصلت إلى أوّلصفحة 185تلك الأماكن، فقيل لي: انّ جزيرة الروافض قد بقي بينك وبينها ثلاثة أيام، فمضيت ولم أتأخّر.فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة، ولها أبراح محكمات شاهقات، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر، فدخلت من باب كبيرة يقال لها: باب البربر، فدُرت في سككها أسأل عن مسجد البلد، فهُديت عليه، ودخلت إليه فرأيته جامعاً كبيراً معظماً واقعاً على البحر من الجانب الغربي من البلد، فجلست في جانب المسجد لأستريح وإذا بالمؤذّن يؤذّن للظهر ونادى بحيّ على خير العمل ولمّا فرغ دعا بتعجيل الفرج للامام صاحب الزمان (عليه السلام).فأخذتني العبرة بالبكاء، فدخلت جماعة بعد جماعة إلى المسجد، وشرعوا في الوضوء على عين ماء تحت شجرة في الجانب الشرقي من المسجد، وأنا أنظر اليهم فرحاً مسروراً لما رأيته من وضوئهم المنقول عن ائمة الهدى (عليهم السلام).فلمّا فرغوا من وضوئهم وإذا برجل قد برز من بينهم بهيّ الصورة، عليه السكينة والوقار، فتقدّم إلى المحراب، وأقام الصلاة، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلّى بهم اماماً وهم به مأمومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن ائمّتنا (عليهم السلام) على الوجه المرضيّ فرضاً ونفلا وكذا التعقيب والتسبيح، ومن شدّة ما لقيته من وعثاء السفر، وتعبي في الطريق لم يمكنّي أن أصلّي معهم الظهر.فلمّا فرغوا ورأوني أنكروا عليّ عدم اقتدائي بهم، فتوجّهوا نحوي بأجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصْلي، وما مذهبي؟ فشرحت لهم أحوالي وانّي عراقي الأصل، وأمّا مذهبي فانّني رجل مسلم أقول أشهد أن لا إلـه الّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله أرسله [ ﴿بالهدى ] ودين الحقّ ليظهره على﴾ الأديان كلّها ولو كره المشركون.فقالوا لي: لم تنفعك هاتان الشهادتان الّا لحقن دمك في دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الأخرى لتدخل الجنّة بغير حساب؟ فقلت لهم؟ وما تلك الشهادة الأخرى؟صفحة 186اهدوني إليها يرحمكم الله، فقال لي إمامُهم: الشهادة الثالثة هي أن تشهد أنّ أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين علي بن أبي طالب والائمة الأحد عشر من ولده أوصياء رسول الله، وخلفاؤه من بعد بلا فاصلة، قد أوجب الله عزوجل طاعتهم على عباده، وجعلهم أولياء أمره ونهيه، وحججاً على خلقه في أرضه، وأماناً لبريّته، لأنّ الصادق الأمين محمداً رسول ربّ العالمين (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر بهم عن الله تعالى مشافهة من نداء الله عزوجل له (عليه السلام) في ليلة معراجه إلى السماوات السبع، وقد صار من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، وسمّاهم له واحداً بعد واحد، (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين).فلمّا سمعت مقالتهم هذه حمدت الله سبحانه على ذلك، وحصل عندي أكمل السرور، وذهب عنّي تعب الطريق من الفرح، وعرّفتهم انّي على مذهبهم، فتوجّهوا اليّ توجّه إشفاق، وعيّنوا لي مكاناً في زوايا المسجد، وما زالوا يتعاهدونني بالعزّة والاكرام مدّة إقامتي عندهم، وصار امام مسجدهم لا يفارقني ليلا ولا نهاراً.فسألته عن ميرة أهل بلده من أين تأتي اليهم فانّي لا أرى لهم أرضاً مزروعة، فقال: تأتي اليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض، من جزائر أولاد الامام صاحب الأمر (عليه السلام)، فقلت له: كم تأتيكم ميرتكم في السنة؟ فقال: مرّتين، وقد أتت مرّة وبقيت الأخرى، فقلت: كم بقي حتى تأتيكم؟ قال: أربعة أشهر.فتأثّرت لطول المدّة، ومكثت عندهم مقدار أربعين يوماً أدعو الله ليلا ونهاراً بتعجيل مجيئها، وأنا عندهم في غاية الاعزاز والاكرام، ففي آخر يوم من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة فخرجت إلى شاطئ البحر، أنظر إلى جهة المغرب التي ذكروا أهل البلد انّ ميرتهم تأتي اليهم من تلك الجهة.فرأيت شبحاً من بعيد يتحرّك، فسألت عن ذلك الشبح أهل البلد وقلت لهم: هل يكون في البحر طير أبيض؟ فقالوا لي: لا، فهل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم،صفحة 187فاستبشروا وقالوا: هذه المراكب التي تأتي الينا في كلّ سنة من بلاد أولاد الامام (عليه السلام).فما كان الّا قليل حتّى قدمت تلك المراكب، وعلى قولهم انّ مجيئها كان في غير الميعاد، فقدم مركب كبير وتبعه آخر وآخر حتّى كملت سبعاً، فصعد من المركب الكبير شيخ مربوع القامة، بهيّ المنظر، حسن الزيّ، ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن ائمة الهدى (عليهم السلام) وصلّى الظهرين، فلمّا فرغ من صلاته التفت نحوي مسلّماً عليّ، فرددت (عليه السلام)، فقال: ما اسمك وأظنّ أنّ اسمك علي؟ قلت: صدقت فحادثني بالسرّ محادثة من يعرفني فقال: ما اسم أبيك؟ ويوشك أن يكون فاضلا، قلت: نعم، ولم أكن أشك في انّه قد كان في صحبتنا من دمشق.فقلت: أيّها الشيخ! ما أعرفك بي وبأبي؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر؟ فقال: لا، قلت: ولا من مصر إلى الأندلس؟ قال: لا، ومولاي صاحب العصر، قلت له: فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي؟قال: اعلم أنّه قد تقدّم اليّ وصفك، وأصلك، ومعرفة اسمك وشخصك وهيئتك واسم أبيك، وأنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء.فسررت بذلك حيث قد ذكرتُ ولي عندهم اسم، وكان من عادته انّه لا يقيم عندهم الّا ثلاثة أيام فأقام اسبوعاً وأوصل الميرة إلى أصحابها المقرّرة لهم، فلمّا أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرّر لهم، عزم على السفر، وحملني معه، وسرنا في البحر.فلمّا كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماءً أبيض فجعلت اُطيل النظر إليه، فقال لي الشيخ واسمه محمد: ما لي أراك تطيل النظر إلى هذا الماء؟ فقلت له: انّي أراه على غير لون ماء البحر.فقال لي: هذا هو البحر الأبيض، وتلك الجزيرة الخضراء، وهذا الماء المستديرصفحة 188حولها مثل السّور من أيّ الجهات أتيته وجدته، وبحكمة الله تعالى إن مراكب اعدائنا إذا دخلته غرقت وإنْ كانت محكمة ببركة مولانا وامامنا صاحب العصر (عليه السلام) فاستعملته وشربت منه، فاذا هو كماء الفرات.ثمّ إنّا لمّا قطعنا ذلك الماء الأبيض، وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة آهلة، ثمّ صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة ودخلنا البلد، فرأيته محصّناً بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطئ البحر، ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والأثمار المنوّعة، وفيها أسواق كثيرة، وحمّامات عديدة، وأكثر عمارتها برخام شفّاف، وأهلها في أحسن الزيّ والبهاء، فاستطار قلبي سروراً لما رأيته.ثمّ مضى بي رفيقي محمد بعدما استرحنا في منزله إلى الجامع المعظّم، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر [ أن ] أصفه، والناس يخاطبونه بالسيّد شمس الدين محمد العالم، ويقرؤون عليه القرآن والفقه، والعربيّة بأقسامها، وأصول الدين والفقه الذي يقرؤونه عن صاحب الأمر (عليه السلام) مسألة مسألة، وقضيّة قضيّة، وحكماً حكماً.فلمّا مثلت بين يديه، رحبّ بي وأجلسني في القرب منه، وأحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرّفني انّه تقدّم إليه كلّ أحوالي، وانّ الشيخ محمد رفيقي انّما جاء بي بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه.ثمّ أمر لي بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد، وقال لي: هذا يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة، فنهضت ومضيت إلى ذلك الموضع، فاسترحت فيه إلى وقت العصر، وإذا أنا بالموكّل بي قد أتى إليّ وقال لي: لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لأجل العشاء معك، فقلت: سمعاً وطاعة.فما كان الّا قليل وإذا بالسيّد سلّمه الله قد أقبل، ومعه أصحابه، فجلسوا ومدّت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيّد لأجل صلاة المغرب والعشاء، فلمّا فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلى منزله، ورجعت إلى مكاني وأقمت على هذهصفحة 189الحال مدّة ثمانية عشر يوماً، ونحن في صحبته أطال الله بقاءه.فأوّل جمعة صلّيتها معهم رأيت السيّد سلّمه الله صلّى الجمعة ركعتين فريضة واجبة، فلمّا انقضت الصلاة قلت: يا سيّدي قد رأيتكم صلّيتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة؟ قال: نعم، لأنّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت، فقلت في نفسي: ربّما كان الامام (عليه السلام) حاضراً.ثمّ في وقت آخر سألت منه في الخلوة: هل كان الامام حاضراً؟ فقال: لا، ولكنّي أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه (عليه السلام)، فقلت: يا سيّدي! وهل رأيت الامام (عليه السلام)؟ قال: لا، ولكنّي حدّثني أبي (رحمه الله) انّه سمع حديثه ولم يَرَ شخصه وانّ جدّي (رحمه الله) سمع حديثه ورأى شخصه.فقلت له: ولم ذاك يا سيدي يختصّ بذلك رجل دون آخر؟ فقال لي: يا أخي! انّ الله سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده، وذلك لحكمة بالغة وعظمة قاهرة، كما انّ الله تعالى اختصّ من عباده الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين، وجعلهم اعلاماً لخلقه، وحججاً على بريّته، ووسيلة بينهم وبينه ﴿ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيي من حيّ عن بيّنة﴾، ولم يخل أرضه بغير حجّة على عباده للطفه بهم، ولابدّ لكلّ حجة من سفير يبلغ عنه.ثمّ انّ السيد سلّمه الله أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم، وجعل يسير معي نحو البساتين، فرأيت فيها أنهاراً جارية، وبساتين كثيرة، مشتملة على أنواع الفواكه، عظيمة الحسن والحلاوة، من العنب والرّمان، والكمّثرى وغيرها ما لم أرَها في العراقين، ولا في الشامات كلّها.فبينما نحن نسير من بستان إلى آخر إذ مرّ بنا رجل بهيّ الصورة، مشتمل ببردتين من صوف أبيض، فلمّا قرب منّا سلّم علينا وانصرف عنّا، فأعجبتني هيئته فقلت للسيّد سلّمه الله: من هذا الرجل؟ قال لي: اتنظر إلى هذا الجبل الشاهق؟ قلت: نعم، قال: إنّ في وسطه لمكاناً حسناً وفيه عين جارية، تحت شجرة ذاتصفحة 190أغصان كثيرة، وعندها قبّة مبنيّة بالآجر، وانّ هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبّة، وأنا أمضي إلى هناك في كلّ صباح جمعة، وأزور الامام (عليه السلام) منها وأصلّي ركعتين، وأجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين، فمهما تضمّنته الورقة أعمل به، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك وتزور الامام (عليه السلام) من القبّة.فذهبت إلى الجبل فرأيت القبّة على ما وصف لي سلّمه الله، ووجدت هناك خادمين، فرحّب بي الذي مرّ علينا وأنكرني الآخر، فقال له: لا تنكره فانّي رأيته في صحبة السيّد شمس الدين العالم، فتوجّه إليّ ورحّب بي وحادثاني وأتيا لي بخبز وعنب فأكلت وشربت من ماء تلك العين التي عند تلك القبّة، وتوضّأت وصلّيت ركعتين.وسألت الخادمين عن رؤية الامام (عليه السلام)، فقالا لي: الرؤية غير ممكنة وليس معنا اذن في اخبار أحد، فطلبت منهم الدعاء، فدعيا لي، وانصرفت عنهما، ونزلت من ذلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة.فلمّا وصلت إليها ذهبت إلى دار السيّد شمس الدين العالم، فقيل لي: انّه خرج في حاجة له، فذهبت إلى دار الشيخ محمد الذي جئت معه في المركب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري إلى الجبل، واجتماعي بالخادمين، وانكار الخادم عليّ، فقال لي: ليس لأحد رخصة في الصعود إلى ذلك المكان، سوى السيّد شمس الدين وأمثاله، فلهذا وقع الانكار منه لك، فسألته عن أحوال السيّد شمس الدين أدام الله افضاله، فقال: انّه من أولاد أولاد الامام، وانّ بينه وبين الامام (عليه السلام) خمسة آباء وانّه النائب الخاص عن أمر صدر منه (عليه السلام).قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرّفه السلام: واستأذنت السيد شمس الدين العالم، أطال الله بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه، وقراءة القرآن المجيد، ومقابلة المواضع المشكلة منصفحة 191العلوم الدينيّة وغيرها فأجاب إلى ذلك وقال: إذا كان ولابدّ من ذلك فابدأ أوّلا بقراءة القرآن العظيم.فكان كلّما قرأت شيئاً فيه خلاف بين القرّاء أقول به: قرأ حمزة كذا، وقرأ الكسائي كذا، وقرأ عاصم كذا، وأبو عمرو بن كثير كذا.فقال السيد سلّمه الله: نحن لا نعرف هؤلاء، وانما القرآن نزل على سبعة أحرف، قبل الهجرة من مكة إلى المدينة وبعدها لمّا حجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة الوداع، نزل عليه الروح الأمين جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد اتلُ عليّ القرآن حتى أعرّفك أوائل السور، وأواخرها، وشأن نزولها.فاجتمع إليه عليّ بن أبي طالب، وولداه الحسن والحسين (عليهما السلام)، واُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وحسّان بن ثابت، وجماعة من الصحابة رضي الله عن المنتجبين منهم، فقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن من أوّله إلى آخره، فكان كلّما مرّ بموضع فيه اختلاف بيّنه له جبرئيل (عليه السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام) يكتب ذاك في درج من أدم، فالجميع قراءة أمير المؤمنين ووصيّ رسول ربّ العالمين.فقلت له: يا سيّدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها وبما بعدها، كأنّ فهمي القاصر لم يصر إلى غورية ذلك.فقال: نعم، الأمر كما رأيته وذلك [ انّه ] لمّا انتقل سيّد البشر محمد بن عبد الله من دار الفناء إلى دار البقاء وفعل صنما قريش ما فعلاه، من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) القرآن كلّه، ووضعه في إزار وأتى به اليهم وهم في المسجد.فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أعرضه اليكم لقيام الحجّة عليكم، يوم العرض بين يدي الله تعالى، فقال له فرعون هذه الأمة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك، فقال (عليه السلام): لقد أخبرني حبيبي محمدصفحة 192(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولك هذا، وانّما أردت بذلك القاء الحجة عليكم.فرجع أمير المؤمنين (عليه السلام) به إلى منزله، وهو يقول: لا إلـه الّا أنت، وحدك لا شريك لك، لا رادّ لما سبق في علمك، ولا مانع لما اقتضته حكمتك، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كلّ من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدري، وحسّان بن ثابت، وجماعات من المسلمين وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منه، بعد وفاة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم).فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين (عليه السلام) بخطّه محفوظ عند صاحب الأمر (عليه السلام) فيه كلّ شيء حتى أرش الخدش، وأمّا هذا القرآن، فلا شك ولا شبهة في صحّته، وانّما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الأمر (عليه السلام).قال الشيخ الفاضل عليّ بن فاضل: ونقلت عن السيد شمس الدين حفظه الله مسائل كثيرة تنوف على تسعين مسألة، وهي عندي، جمعتها في مجلّد وسمّيتها بالفوائد الشمسيّة ولا أطلع عليها الّا الخاص من المؤمنين، وستراه إن شاء الله تعالى.فلمّا كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر، وفرغنا من الصلاة وجلس السيّد سلّمه الله في مجلس الإفادة للمؤمنين وإذا أنا أسمع هرجاً ومرجاً وجزلة عظيمة خارج المسجد، فسألت من السيّد عمّا سمعته، فقال لي: انّ أمراء عسكرنا يركبون في كلّ جمعة من وسط كلّ شهر، وينتظرون الفرج فاستأذنته في النّظر اليهم فأذن لي، فخرجت لرؤيتهم، وإذا هم جمع كثير يسبّحون الله ويحمدونه، ويهلّلونه جلّ وعزّ، ويدعون بالفرج للامام القائم بأمر الله والناصح لدين الله م ح م د بن الحسن المهدي الخلف الصالح، صاحب الزمان (عليه السلام).صفحة 193ثمّ عدت إلى مسجد السيّد سلّمه الله فقال لي: رأيت العسكر؟ فقلت: نعم، قال: فهل عددت أمراءهم؟ قلت: لا، قال: عدّتهم ثلاثمائة ناصر، وبقي ثلاثة عشر ناصراً، ويعجّل الله لوليّه الفرج بمشيّته انّه جواد كريم.قلت: يا سيدي ومتى يكون الفرج؟ قال: يا أخي إنّما العلم عند الله والأمر متعلّق بمشيّته سبحانه وتعالى، حتى انّه ربّما كان الامام (عليه السلام) لا يعرف ذلك بل له علامات وأمارات تدلّ على خروجه.من جملتها أن ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه، ويتكلّم بلسان عربي مبين: قم يا وليّ الله على اسم الله، فاقتل بي اعداء الله.ومنها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلّهم، الصوت الأول: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثاني: ﴿أَلاَ لعنة الله على الظالمين﴾ لآل محمد (عليهم السلام)، والثالث بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: انّ الله بعث صاحب الأمر م ح م د بن الحسن المهدي (عليه السلام) فاسمعوا له وأطيعوا.فقلت: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر (عليه السلام) انّه قال لمّا أمر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟! فقال: صدقت انّه (عليه السلام) انّما قال ذلك في ذلك الزّمان لكثرة اعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتّى انّ الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدّث بذكره، وفي هذا الزّمان تطاولت المدّة وأيس منه الأعداء وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم، وببركته (عليه السلام) لا يقدر أحد من الأعداء على الوصول إلينا.قلت: يا سيدي! قد روت علماء الشيعة حديثاً عن الامام (عليه السلام) انّه أباح الخمس لشيعته، فهل رويتم عنه ذلك؟ قال: نعم، انّه (عليه السلام) رخّص وأباح الخمس لشيعته من ولد علي (عليه السلام) وقال: هم في حلّ من ذلك، قلت: وهل رخّص للشيعة أن يشتروا الاماء والعبيد من سبي العامّة؟ قال: نعم، ومن سبي غيرهم لأنّه (عليه السلام) قال: عاملوهم بما عاملوا به أنفسهم، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل التيصفحة 194سمّيتها لك.وقال السيّد سلّمه الله: انّه يخرج من مكة بين الرّكن والمقام في سنة وتر فليرتقبها المؤمنون.فقلت: يا سيّدي قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن الله بالفرج، فقال لي: اعلم يا أخي انّه تقدّم اليّ كلام بعودك الى وطنك، ولا يمكنني وايّاك المخالفة، لأنّك ذو عيال وغبت عنهم مدّة مديدة، ولا يجوز لك التخلّف عنهم أكثر من هذا، فتأثّرت من ذلك وبكيت.وقلت: يا مولاي وهل تجوز المراجعة في أمري؟ قال: لا، قلت: يا مولاي وهل تأذن لي في أن أحكي كلّما قد رأيته وسمعته؟ قال: لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئنّ قلوبهم، الّا كيت وكيت، وعيّن ما لا أقوله.فقلت: يا سيدي أما يمكن النظر إلى جماله وبهائه (عليه السلام)؟ قال: لا، ولكن اعلم يا أخي انّ كلّ مؤمن مخلص يمكن أن يرى الامام ولا يعرفه، فقلت: يا سيّدي أنا من جملة عبيده المخلصين، ولا رأيته.فقال لي: بل رأيته مرّتين ; مرّة منها لمّا أتيت إلى سرّ من رأى وهي أوّل مرّة جئتها، وسبقك أصحابك وتخلّفت عنهم، حتى وصلت إلى نهر لا ماء فيه فحضر عندك فارس على فرس شهباء، وبيده رمح طويل، وله سنان دمشقي، فلمّا رأيته خفت على ثيابك، فلمّا وصل اليك قال لك: لا تخف اذهب إلى أصحابك، فانّهم ينتظرونك تحت تلك الشجرة، فأذكرني والله ما كان، فقلت: قد كان ذلك يا سيّدي.قال: والمرّة الأخرى حين خرجت من دمشق تريد مصراً مع شيخك الأندلسي، وانقطعت عن القافلة، وخفت خوفاً شديداً، فعارضك فارس على فرس غرّاء محجّلة، وبيده رمح ايضاً، وقال لك: سر ولا تخف إلى قرية على يمينك ونم عند أهلها الليلة، وأخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه، ولا تتّق منهم فانّهم مع قرىصفحة 195عديدة جنوبي دمشق، مؤمنون مخلصون، يدينون بدين علي بن أبي طالب والائمة المعصومين من ذرّيته (عليهم السلام).أكان ذلك يا ابن فاضل؟ قلت: نعم، وذهبت إلى عند أهل القرية ونمت عندهم فأعزّوني وسألتهم عن مذهبهم، فقالوا لي ـ من غير تقيّة مني ـ: نحن على مذهب أمير المؤمنين، ووصيّ رسول ربّ العالمين علي بن أبي طالب والائمة المعصومين من ذرّيته (عليهم السلام) فقلت لهم من أين لكم هذا المذهب؟ ومَنْ أوصله اليكم؟ قالوا: أبو ذر الغفاري حين نفاه عثمان إلى الشام، ونفاه معاوية إلى أرضنا هذه، فعمّتنا بركته، فلمّا أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة فجهّزوا معي رجلين ألحقاني بها، بعد أن صرّحت لهم بمذهبي.فقلت له: يا سيدي هل يحجّ الامام (عليه السلام) في كلّ مدّة بعد مدّة؟ قال لي: يا ابن فاضل! الدّنيا خطوة مؤمن، فكيف بمن لم تقم الدّنيا الّا بوجوده ووجود آبائه (عليهم السلام)، نعم يحجّ في كلّ عام ويزور آباءه في المدينة والعراق، وطوس، على مشرّفيها السلام، ويرجع إلى أرضنا هذه.ثمّ إنّ السيّد شمس الدين حثّ عليّ بعدم التأخير بالرّجوع إلى العراق وعدم الاقامة في بلاد المغرب، وذكر لي انّ دراهمهم مكتوب عليها: لا إلـه الّا الله محمد رسول الله عليٌ ولي الله محمد بن الحسن القائم بأمر الله. وأعطاني السيّد منها خمسة دراهم وهي محفوظة عندي للبركة.ثمّ إنّه سلّمه الله وجّهني مع المراكب التي أتيت معها إلى أن وصلنا إلى تلك البلدة التي أوّل ما دخلتها من أرض البربر، وكان قد أعطاني حنطة وشعيراً فبعتها في تلك البلدة بمائة وأربعين ديناراً ذهباً من معاملة بلاد المغرب، ولم أجعل طريقي على الأندلس امتثالا لأمر السيّد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه، وسافرت منها مع الحَجِيج المغربيّ إلى مكة شرّفها الله تعالى وحججت، وجئت إلى العراق وأريد المجاورة في الغريّ على مشرّفيها السلام حتى الممات.صفحة 196قال الشيخ زين الدّين عليّ بن فاضل المازندراني: لم أرَ لعلماء الاماميّة عندهم ذكراً سوى خمسة: السيّد المرتضى الموسوي، والشيخ أبو جعفر الطوسي، ومحمد بن يعقوب الكليني، وابن بابويه، والشيخ أبو القاسم جعفر بن اسماعيل الحلّي.[ وقال الشيخ علي بن فاضل ايضاً: انّ لي بهذه السنة ثمان سنوات ونصفاً من زمان كنت في تلك الناحية المقدّسة إلى هذا الوقت وأنا أنقل لكم ذلك في الحلّة.وقد سمعت عند خروج الشيخ علي بن فاضل من الحلّة انّه اقام مدّة في مسجد السهلة لأنّه كان قد أوعد، وان مولد وموطن الشيخ علي بن فاضل هو في اقليم مازندران في بلدة يقال لها ابريم والله الهادي ].يقول المؤلف:نقل العلامة المجلسي في البحار، والفاضل الخبير الميرزا عبد الله الاصفهاني في رياض العلماء عن رسالة الجزيرة الخضراء انّ صاحب الرسالة قال: وجدت بخط الشيخ الفاضل الفضل بن يحيى في خزانة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يشيروا إلى اسم الواجد وجامع الحكاية مَنْ هو، واكتفوا بهذا المقدار في الاعتبار.ولكن الفاضل الصالح الآخوند الملاّ كاظم الهزار جريبي تلميذ الاستاذ الاكبر العلامة البهبهاني، قال في كتاب مناقبه: انّ هذه الحكاية منقولة عن خط الشيخ الأجل الأفضل الأعلم، الأعمل، الأكمل، عمدة الفقهاء والمجتهدين مجدد مراسم
[النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف ] · موسوعة الغيبة والظهور