فجئت إليه وأردت النزول، فرأيت شخصاً جليلا على هيئة الأعراب قاعداً عند الماء يتوضأ وهو في غاية من السكينة والوقار والطّمأنينة، وكنت مستعجلا لخوف عدم إدراك الجماعة، فوقفت قليلا فرأيته كالجبل لا يحرّكه شيء، فقلت: وقد اُقيمت الصّلاة ما معناه لعلّك لا تريد الصلاة مع الشيخ؟
أردت بذلك تعجيله فقال: لا، قلت: ولم؟
قال:
لأنّه الشيخ الدّخني، فما فهمت مراده، فوقفت حتى أتمّ وضوءه، فصعد وذهب ونزلت وتوضأت وصلّيت، فلمّا قضيت الصلاة وانتشر الناس وقد ملأ قلبي وعيني هيئته وسكونه وكلامه، فذكرت للشيخ ما رأيت وسمعت منه فتغيّرت حاله وألوانه، وصار متفكّراً مهموماً فقال: قد أدركت الحجة (عليه السلام) وما عرفته، وقد أخبر عن شيء ما اطّلع عليه الّا الله تعالى.
اعلم انّي زرعت الدّخنة في هذه السنة في الرّحبة وهي موضع في الطرف الغربيّ من بحيرة الكوفة، محلّ خوف وخطر من جهة أعراب البادية المتردّدين إليه، فلمّا قمت إلى الصلاة ودخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدّخنة وأهمّني أمره، فصرت ____________ كلمة عامية عراقية ويقصد بها (الدّخن) وهو حبّ ناعم صغير جداً معروف.
كتاب النجم الثاقب (ج 2) للشيخ حسين الطبرسي (ص ص 18) صفحة 306 أتفكّر فيه وفي آفاته، [ كما أخبرك عنه (عليه السلام) ].
ولأني سمعت هذه القصة قبل اكثر من عشرين سنة فأحتمل فيها الزيادة والنقصان نسأل الله العفو والعصمة من الهفوات.
الحكاية التاسعة والثمانون: حدّثني العالم النبيل، والفاضل الجليل، الصالح الثقة العدل الرضي الذي قلّ له النظير والبديل، الحاج المولى محسن الاصفهاني المجاور لمشهد أبي عبد الله (عليه السلام) وهو معروف في الأمانة والديانة والتثبّت والانسانية، وكان من أوثق أئمة الجماعة في ذلك البلد الشريف، قال: حدّثني السيد السند، والعالم العامل المؤيد، التقي الصفي السيد محمد بن السيد مال الله بن السيد معصوم القطيفي رحمهم الله، قال: قصدت مسجد الكوفة في بعض ليالي الجمع، وكان في زمان مخوف لا يتردّد إلى المسجد أحد الّا مع عدّة وتهيئة، لكثرة من كان في أطراف النجف الأشرف من القطّاع واللّصوص، وكان معي واحد من الطلاّب.
النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف