قلت:
ولم تكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فانّه ورث العلم والعمل من عمّه الأجلّ الأكمل السيد باقر القزويني صاحب سرّ خاله [ السيد الأعظم، والطود الأشيم ]، بحر العلوم أعلى الله تعالى درجتهم، وكان عمّه أدّبه وربّاه وأطلعه على الخفايا والأسرار، حتّى بلغ مقاماً لا يحوم حوله الأفكار، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم يجتمع في غيره من العلماء الأبرار: الأول: انّه بعد ما هاجر من النجف الأشرف إلى الحلّة واستقرّ فيها وشرع في هداية الناس وايضاح الحقّ وابطال الباطل، صار ببركة دعوته من داخل الحلّة وأطرافها من الأعراب قريباً من مائة ألف نفس شيعياً إمامياً مخلصاً موالياً لأولياء الله، ومعادياً لأعداء الله.
____________ راجع جنة المأوى: ـ 292.
كتاب النجم الثاقب (ج 2) للشيخ حسين الطبرسي (ص ص 18) صفحة 325 بل حدّثني طاب ثراه انّه لمّا ورد الحلّة لم يكن في الذين يدّعون التشيّع من علائم الامامية وشعائرهم إلّا حمل موتاهم إلى النجف الأشرف، ولا يعرفون من أحكامهم شيئاً حتّى البراءة من أعداء الله، وصاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء وهذه منقبة عظيمة اختصّ بها [ من بين من تقدّم عليه وتأخّر ].
الثاني: الكمالات النفسانية من الصبر والتقوى، وتحمل أعباء العبادة، وسكون النفس، ودوام الاشتغال بذكر الله تعالى، وكان (رحمه الله) لا يسأل في بيته عن أحد من أهله وأولاده ما يحتاج إليه من الغداء والعشاء والقهوة والشاي والغليان وغيرها عند وقتها، ولا يأمر عبيده وإماءه بشيء منها، ولولا التفاتهم ومواظبتهم لكان يمرّ عليه اليوم والليلة من غير أن يتناول شيئاً منها مع ما كان عليه من التمكّن والثروة والسلطنة الظاهرة، وكان يجيب الدعوة، ويحضر الولائم والضيافات، لكن يحمل معه كتباً ويقعد في ناحية، ويشتغل بالتأليف، ولا خبر له عمّا فيه القوم، ولا يخوض معهم في حديثهم الّا أن يسأل عن أمر دينيّ فيجيبهم.
النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف