هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقربهم منك.
لم يسكنوا الاصلاب، ولم يضمنوا الارحام، ولم يخلقوا من ماء مهين، ولم يشعبهم ريب المنون.
وإنهم على مكانهم منك، ومنزلتهم عندك، واستجماع أهوائهم فيك، وكثرة طاعتهم لك، وقلة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم، ولزروا على أنفسهم.
ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك، ولم يطيعوك حق طاعتك.
سبحانك خالقا ومعبودا بحسن بلائك عند خلقك.
خلقت دارا وجعلت فيها مأدبة: مشربا ومطعما وأزواجا وخدما وقصورا وأنهارا وزروعا وثمارا.
ثم أرسلت داعيا يدعو إليها.
فلا الداعي أجابوا، ولا فيما رغبت رغبوا، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا.
أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على حبها، ومن عشق شيئا أعشى بصره، وأمرض قلبه.
فهو ينظر بعين غير صحيحة، المهين: الحقير، يريد النطفة المنون الدهر.
والريب صرفه.
أي لم تفرقهم صروف الزمان زرى عليه كرمى: عابه البلاء يكون نعمة ويكون نقمة، ويتعين الاول بإضافة الحسن إليه، أي ما عبدوك إلا شكرا لنعمك عليهم المأدبة بفتح الدال وضمها ما يصنع من الطعام للمدعوين في عرس ونحوه، والمراد منها نعيم الجنة أعشاه أعماه ويسمع بأذن غير سميعة.
قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه.
فهو عبد لها، ولمن في يده شئ منها.
حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها.
ولا يزدجر من الله بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ.
وهو يرى
نهج البلاغة