الدنيا خلقه، وبعث إلى الجن والانس رسله ليكشفوا لهم عن غطائها، وليحذروهم من ضرائها، وليضربوا لهم أمثالها، وليبصروهم عيوبها، وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرف مصاحها وأسقامها، وحلالها وحرامها.
وما أعد الله للمطيعين منهم المنصبة - كمصطبة - التعب هجم عليه - كنصر - دخل غفلة.
والمعتبر مصدر ميمي الاعتبار والاتعاظ بمعنى.
والتصرف: التبدل.
والمصاح - جمع مصحة بكسر الصاد وفتحها - بمعنى الصحة والعافية، كأن الناس في غفلة عن سر تعاقب الصحة والمرض على بدن الانسان حتى نبهتهم رسل الله إلى أن هذا ابتلاء منه سبحانه ليعرف الانسان عجزه وأن أمره بيد خالقه والعصاة من جنة ونار وكرامة وهوان.
أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه جعل لكل شئ قدرا، ولكل قدر أجلا، ولكل أجل كتابا.
(منها) فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق.
حجة الله على خلقه.
أخذ عليهم ميثاقه.
وارتهن عليه أنفسهم.
أتم نوره، وأكمل به دينه، وقبض نبيه صلى الله عليه وآله وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به.
فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه.
فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه.
ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه إلا وجعل له علما باديا وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه.
فرضاه فيما بقي واحد، وسخطه فيما بقي واحد.
واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم، ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن كان قبلكم، وإنما تسيرون في أثر بين، وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم.
قد كفاكم مؤونة دنياكم، وحثكم على
نهج البلاغة