جحد المقدر وأنكر المدبر.
زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع.
ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا، ولا تحقيق لما أوعوا.
وهل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان.
وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين.
وأسرج لها حدقتين قمراوين.
وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض يرهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها.
ولو أجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها.
وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة فتبارك الله الذي يسجد له من في السموات والارض طوعا وكرها، ويعنو له خدا ووجها، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا.
فالطير مسخرة لامره.
أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس.
وقدر أقواتها، وأحصى لم يلجاؤا: لم يستندوا.
وأوعاه - كوعاه - بمعنى حفظه أي مضيئتين كأن كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر المنجل - كمنبر - آلة من حديد معروفة يقضب بها الزرع.
قالوا أراد بهما هنا رجليها لاعوجاجهما وخشونتهما دفعها وثباتها، نزا عليه: وثب المراد من الندى هنا مقابل اليبس بالتحريك فيعم الماء، كأنه يريد أن = أجناسها.
فهذا غراب وهذا عقاب.
وهذا حمام وهذا نعام.
دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه.
وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها وعدد قسمها، فبل الارض
نهج البلاغة