الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه.
وأنشأ الارض فأمسكها من غير اشتغال.
وأرساها على غير قرار.
وأقامها بغير قوائم.
ورفعها بغير دعائم.
وحصنها من الاود والاعوجاج.
ومنعها من التهافت والانفراج.
أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها وخد أوديتها.
فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه.
هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي عل كل شئ منها بجلاله وعزته.
لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه.
خضعت الاشياء له، وذلت مستكينة لعظمته، ولا يكون عطف على تجري عطف تفسير على الاود التهافت: التساقط قطعة قطعة.
والانفراج: الانشقاق الاوتاد: جمع وتد.
والاسداد: جمع سد والمراد بها الجبال.
وخد أي شق يهن - من الوهن - بمعنى الضعف.
لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفؤ له فيكافئه، ولا نظير له فيساويه.
هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها.
وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها.
وكيف لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها، وما كان من مراحها وسائمها، وأصناف أسناخها وأجناسها، ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها.
ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها
نهج البلاغة