والفساد فهي هنا عصبية الجهل، كما أن الحمية حمية الجاهلية.
أما التناصر في الحق والحمية عليه فهو أمر محمود في جميع أحواله، والكبر على الباطل تواضع للحق الحمى: ما حميته عن وصول الغير إليه = المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب، ومحجوبات الغيوب: " إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس " اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لاصله.
فعدو الله إمام المتعصبين، وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداء الجبرية.
وادرع لباس التعزز، وخلع قناع التذلل ألا ترون كيف صغره الله بتكبره، ووضعه بترفعه.
فجعله في الدنيا مدحورا، وأعد له في الآخرة سعيرا ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه، ويبهر العقول رواؤه، وطيب يأخذ الانفاس عرفه لفعل.
ولو فعل لظلت له الاعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة.
ولكن الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ونفيا للاستكبار عنهم، وإبعادا للخيلاء منهم فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذا أحبط عمله الطويل = والتصرف فيه الرواء - بضم ففتح - حسن المنظر.
والعرف - بالفتح - الرائحة وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى الدنيا أم سنى الآخرة عن كبر ساعة واحدة.
فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصية
نهج البلاغة