ولا شك أن الزاهد والراهب يبتعدان كلاهما عن التنعم باللذائذ، إلا أن الراهب يفرّ بذلك عن المجتمع ومسؤولياته، ويعدّهما من أمور الدنيا الدنية، ويلجأ منهما إلى الصوامع والأديرة وسفوح الجبال، أما الزاهد فهو يقبل على المجتمع وآماله ومسؤولياته.
وإن الزاهد والراهب كلاهما يتجهان إلى الآخرة، راغبان عن الدنيا وما فيها ومن فيها.
وإنهما يبتعدان عن اللذائذ ولكن لا سواء، فإن الراهب يرهب من الزواج والإنجاب أو قل من النظافة والسلامة النفسية!
أما الزاهد فهو يعد (النظافة من الإيمان) و(النكاح من الدين، وتكثير النسل - الطيب) من الوظائف الدينية والاجتماعية.
وإن الزاهد والراهب كلاهما يتركان الدنيا، إلا أن الزاهد يترك الدنيا بترك الانهماك بالتنعم والتمتع والكماليات، ويحذر من أن يحسبها منتهى آماله وأكمل مناه، أما الراهب فإنه يترك الدنيا بترك العمل فيها وتحمل مسؤولياتها..
ولهذا نقول أن الزاهد يعيش في صميم الحياة والروابط الاجتماعية، ولا يحسب زهده ممّا يتنافى مع تحمل المسؤوليات الاجتماعية، بل إن الزهد لديه خير وسيلة لتعهد المسؤوليات على الوجه الأكمل والأحسن، بخلاف الراهب.
وإن هذا التفاوت بين سيرة الراهب والزاهد إنما ينشأ من الاختلاف في وجهة النظر إلى الحياة.
إن الراهب: يرى الحياة الدنيا والآخرة عالمين مستقلين لا علاقة بينهما، ويحسب أن السعادة في هذه الحياة غير مرتبطة بسعادة الآخرة، بل هما متضادان لا يجتمعان!
ومن الطبيعي لديه - حينئذ - أن يكون العمل المفيد لسعادة الدنيا يغاير العمل
نهج البلاغة