في الحياة الدنيا إلا قليلاً، فأما من لا يعد الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليلاً.
ولا يعد للحياة الدنيا إلا قليلاً أيضاً، بل إنما يضمر فرحته ويعد عدته ويسعى سعيه للآخرة، فلا بأس عليه أيضاً.
(يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).
وهذه الآية الكريمة أيضاً إنما تنتقد الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، ثم هم يغفلون بها عن الآخرة فلا يعلمون عنها أي شيء، أما من يعلم الآخرة علماً قطعياً، ويعلم واقع الحياة - كما في القسم الأول من الآيات - عن يقظة وشعور، فلا بأس عليه أيضاً.
فأنت ترى: أن الذي حكم عليه في جميع هذه الآيات بالنفي والتنفيذ وأن لا يكون، هو أن تصبح الدنيا أمل الإنسان الذي يرضاه، وزاده الذي يقنع به، وطمأنينته التي يفرح بها.
وهكذا علاقة من الإنسان بالحياة هي التي تجعل الإنسان في خدمة الحياة وضحية ساقطة في ميادينها، بدلاً من أن تجعل الدنيا في خدمة الإنسان.
هذه هي نظرية الإسلام المتمثلة في القرآن الكريم في شأن علاقة الإنسان بالدنيا.
والإمام علي (عليه السلام) أيضاً يتبع نفس هذا الأسلوب القرآني في نهج البلاغة: فنرى أن كلماته (عليه السلام) بهذا الصدد تنقسم أيضاً إلى نفس القسمين: * قسم شرح فيه الإمام: فناء الدنيا وزوالها وتغيرها وانتقالها، بأوصاف دقيقة وتشبيهات وكنايات واستعارات بليغة.
* وفي القسم الثاني: يستنتج نفس النتيجة القرآنية السالفة: ففي الخطبة 32 يقسم الإمام الناس إلى قسمين، أبناء الدنيا وأبناء الآخرة.
ثم
نهج البلاغة