وأما الحالة الثانية: فهي - والأولى - التي ورد النهي عنها في الآيات والروايات.
وأما الحالة الثالثة: فهي - فقط - التي ارتضاها الله لنا ورسوله (صلّى الله عليه وآله).
إن المضادة بين الدنيا والآخرة إذ تجعل أحدهما هدفاً والآخر وسيلة تكون من نوع المضادة بين الناقص والكامل، فإذا كان الهدف هو الناقص لزم الحرمان عن الكامل، أما إذا كان الهدف هو الكامل لم يلزم الحرمان عن الناقص، بل لازم الاستفادة من الناقص في سبيل الوصول إلى الكامل بصورة إنسانية معقولة وسامية، كما أن الأمر كذلك في النسبة بين كل تابع ومتبوع، إذ لو كان غرض الإنسان الاستفادة من التابع لزم حرمانه عن المتبوع، أما إذا كان غرضه الاستفادة من المتبوع تابعه التابع بنفسه.
وفي الحكمة 269 من نهج البلاغة إشارة واضحة إلى هذا، حيث يقول (عليه السلام): (الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر ويأمنه على نفسه، فيفني عمره في منفعة غيره.
وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معاً، وملك الدارين جميعاً، فأصبح وجيهاً عند الله لا يسأل الله حاجة فيمنعه).
وقد جاءت هذه النسبة بين الدنيا والآخرة: أن الآخرة هي المتبوعة وأن الدنيا هي التابعة لها، وأن تبعية الدنيا تبعية للتابع تستلزم الحرمان عن المتبوع الأصل وهو الآخر، ولكن تبعية الآخرة تبعية للمتبوع تستلزم تبعية الدنيا لها..
جاءت هذه النسبة في القرآن الكريم، في الآيات من سورة آل عمران
نهج البلاغة