والوقوف بل الفناء!
فهل أن القرآن لا يدين جميع أنواع العلاقة بالدنيا حتى ما لا يكون منها موجباً للوقوف؟
والثاني: لو كانت العلاقة التامة بشيء بحيث تجعله هدفاً تستلزم القيد والأسر وبالتالي الجمود والركود فما الفرق بين أن يكون ذلك الشيء خالقاً أم مخلوقاً؟
إن القرآن ينفي كل عبودية ويدعو إلى الإنسانية والحرية المعنوي، ولكنه لا ينفي عبودية الله والعلاقة به، ولا يدعو إلى التحرر عن الرب بلوغاً إلى الحرية التامة المطلقة، بل إن دعوة القرآن إنما تبتنى على أساس التحرر عما سوى الله، والتمرد عن إطاعة غير الله والاستسلام لله.
إن كلمة (لا اله إلا الله) التي هي أساس بناء الإسلام، تبتني على نفي وإثبات، سلب وإيجاب، كفر وإيمان، تمرد وإذعان، فالنفي والسلب والكفر والتمرد بالنسبة إلى غير الحق المطلق، والإثبات والإيجاب والإيمان والإذعان بالنسبة إلى ذات الحق المطلق.
إن أولى الشهادتين في الإسلام ليست (لا) فقط، كما أنها ليست (نعم) فحسب، بل هي مركبة من (لا) إله (إلا الله).
فلو كان تكامل الشخصية الإنسانية يوجب تحرره عن كل قيد وطاعة وتسليم وعبودية، وتوجب عصيانه لكل شيء ونفيه لكل إثبات طلباً للاستقلال بكماله الإنساني، والحرية المطلقة - كما يقول الوجوديون - فأي فرق بين أن يكون ذلك الشيء خالقاً أو غير خالق؟
وإذا كان على الإنسان أن يقبل نوعاً من الأسر والطاعة والقيد والعبودية والتوقف والركود، فما الفرق أيضاً بين أن يكون ذلك (الإله) هو (الله) أو غير (الله)؟!
نهج البلاغة