تلتبس عليه نفسه بغيرها فيحسبها نفسه، وبما أنه يحسب غيره نفسه فما يفعله ويحسبه لنفسه يكون قد فعله لغيره في الحقيقة والواقع، ويكون قد ترك نفسه وهجرها ونسيها بل مسخها!
مثلاً: حيث يحسب الإنسان أن شخصيته الواقعية هي (شخصية الجسماني).
فما يفعله، يفعله لجسمه، يكون قد ضيع نفسه ونسيها، وحسب غيره نفسه.
وللإمام (عليه السلام) في هذا المقام مقال جميل يقول فيه: (عجبت لمن ينشد ضالته وقد أضل نفسه فلا يطلبها).
ولا ينحصر ضياع النفس ونسيانها في خطأ الإنسان في هويته وماهيته، بل قد تلتبس عليه نفسه بجسمه أو بدنه البرزخي أحياناً، كما قد يتفق هذا لبعض أرباب السلوك.
وقد قلنا في الفصل السابق: أن كل موجود حينما يطوي في مسير تكامله الفطري طريق الكمال يكون في الحقيقة يسير من نفسه الضعيفة إلى نفسه القوية.
وعلى هذا فإن انحراف أي موجود عن مسير تكامله الواقعي يكون انحرافاً عن نفسه إلى غيره وهذا الانحراف يتحقق في مورد الإنسان أكثر من أي موجود آخر، لأنه حر مختار، فكل ما يختاره لنفسه غاية يكون قد جعله في الحقيقة في مكان نفسه وشخصيته الواقعية، فإن كانت غاية منحرفة يكون مبدلاً غيره بنفسه.
فكل ما جاء في ذم الفناء في الماديات إنما ينظر إلى هذا الخطأ والالتباس.
إذن، فاختيار الغايات والأهداف المنحرفة عامل في خطأ الإنسان في نفسه وشخصيته الواقعية، وبالتالي ينسى شخصيته الواقعية ويفقدها.
وليس اختيار الأهداف والغايات المنحرفة موجباً لإصابة الإنسان بمرض نسيان
نهج البلاغة