وأمعَنها في الاختفاء كما أدرك أصدق النتائج المترتّبة على تلك الأسباب: ما قرُبَ منها أشدّ القرب، وما بعُد أقصى البُعد.
ومن شروط الذكاء العلويّ النادر هذا التسلسل المنطقي الذي تراه في النهج أنّى اتجهت.
وهذا التماسُك بين الفكرة والفكرة حتى تكون كل منها نتيجة طبيعية لما قبلها وعلّة لما بعدهما.
ثم إن هذه الأفكار لا تجد فيها ما يُستغنى عنه في الموضوع الذي يبحث فيه.
بل إنك لا تجد فيها ما يستقيم البحث بدونه.
وهو، لاتّساع مداه، لا يستخدم لفظاً إلا وفي هذا اللفظ ما يدعوك لأن تتأمل وتمعن في التأمل، ولا عبارة إلا وتفتح أمام النظر آفاقاً وراءها آفاق.
فعن أيّ رحب وسيعٍ من مسالك التأمّل والنظر يكشف لك قوله: (الناس أعداء ما جهلوا) أو قوله: (قيمة كل امرئٍ ما يُحسنه).
أو (الفجور دارُ حصنٍ ذليل!).
وأيّ إيجاز معجز هو هذا الإيجاز: (مَن تخفّف لَحِق!) وأيّ جليل من المعنى في العبارات الأربع وما تحويه من ألفاظ قلائل فُصّلتْ تفصيلاً، بل قُلْ أُنزلتْ تنزيلا!
ثم عن أي حدّة في الذكاء واستيعاب للموضوع وعمق في الإدراك، يشفّ هذا الكشف العجيب عن طبع الحاسد وصفة نفسه وحقيقة حاله: (ما رأيت ظالماً أشبه بمظلومٍ من الحاسد: نفَسٌ دائم وقلبٌ هائم وحزن لازم.
مغتاظٌ على مَن لا ذَنْبَ له، بخيل بما لا يملك!).
ويستمر تولد الأفكار في (نهج البلاغة) من الأفكار، فإذا أنت منها أمام حشد لا ينتهي.
وهي مع ذلك لا تتراكم، بل تتساوق ويترتّب بعضها على بعض.
ولا فرق في
نهج البلاغة