أما إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود وجمال الخلق، فإنما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء!
ومن اللفظ ما له وميض البرق، وابتسامة السماء في ليالي الشتاء؛!
هذا من حيث المادة.
أما من حيث الأسلوب، فعليّ بن أبي طالب ساحر الأداء.
والأدب لا يكون إلاّ بأسلوب، فالمبنى ملازمٌ فيه للمعنى، والصورة لا تقلّ في شيء عن المادة.
وأيّ فنّ كانت شروط الإخراج فيه أقل شأناً من شروط المادة!
وإن قسْط علي بن أبي طالب من الذوق الفني، أو الحسّ الجمالي، لمَمّا يندر وجوده.
وذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده.
أما طبعه هذا فهو طبع ذوي الموهبة والأصالة الذين يرون فيشعرون ويدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم وتنكشف عنه مداركهم انطلاقاً عفوياً.
لذلك تميّز أدب عليّ بالصدق كما تميّزت به حياته.
وما الصدق إلاّ ميزة الفن الأولى ومقياس الأسلوب الذي لا يخادع.
وإن شروط البلاغة، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعلي بن أبي طالب.
فإنشاؤه مثلٌ أعلى لهذه البلاغة، بعد القرآن.
فهو موجز على وضوح، قويّ جيّاش، تامّ الانسجام لِمَا بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن موسيقيّ الوقع.
وهو يرفق ويلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة.
ويشتدّ ويعنف في غيرها من المواقف، ولاسيما ساعةَ يكون القول في المنافقين والمراوغين وطلاّب الدنيا على حساب الفقراء والمستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة.
فأسلوب عليّ صريح كقلبه وذهنه، صادق
نهج البلاغة