كطويته، فلا عجب أن يكون نهجاً للبلاغة.
وقد بلغ أسلوب عليّ من الصدق حدّاً تَرَفّع به حتى السجعُ عن الصنعة والتكلُّف.
فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة، أبعد ما يكون عن الصنعة، وأقرب ما يكون من الطبع الزاخر.
فانظر إلى هذا الكلام المسجّع وإلى مقدار ما فيه من سلامة الطبع: (يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات، واختلاف النينان في البحار الغامرات، وتلاطُمَ الماء بالرياح العاصفات!) أو إلى هذا القول من إحدى خطبه: (وكذلك السماء والهواء، والرياح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر، والنبات والشجر، والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتَفَجُّر هذه البحار، وكثرة الجبال، وطول هذه القلال، وتفرُّق هذه اللغات، والألسن المختلفات الخ...) وأوصيك خيراً بهذا السجع الجاري مع الطبع: (ثم زَيّنها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب وأجرى فيها سراجاً مستطيراً وقمراً منيراً، في فلك دائر، وسقف سائر الخ).
فإنك لو حاولت إبدال لفظ مسجوع في هذه البدائع جميعاً، بآخر غير مسجوع، لعرفتَ كيف يخبو إشراقها، ويبهت جمالها، ويفقد الذوق فيها أصالته ودقّته وهما الدليل والمقياس.
فالسجع في هذه الأقوال العلوية ضرورة فنية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصناعة امتزاجاً حتى لكأنهما من معدن واحد يبعث النثرَ شعراً له أوزانٌ وأنغامٌ تُرْفِق المعنى بصوَرٍ لفظية من جوّها ومن طبيعتها.
ومن سجع الإمام آياتٌ تردّ النغمَ على النغم ردّاً جميلاً، وتُذيب الوقع في
نهج البلاغة