تغيرون، وتُغزَون ولا تَغزُون، ويُعصى الله وترضون!).
فانظر إلى مقدرة الإمام في هذه الكلمات الموجزة.
فإنه تَدرَّج في إثارة شعور سامعيه حتى وصل بهم إلى ما يصبو إليه.
وسلك إلى ذلك طريقاً تتوفّر فيه بلاغة الأداء وقوة التأثير.
فإنه أخبر قومه بغزو سفيان بن عوف الأنبارَ، وفي ذلك ما فيه من عار يلحق بهم.
ثم أخبرهم بأن هذا المعتدي إنما قتل عاملَ أمير المؤمنين في جملة ما قتل، وبأن هذا المعتدي لم يكتف بذلك بل أغمد سيفه في نحورٍ كثيرة من رجالهم وأهليهم.
وفي الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكان الحميّة من السامعين، إلى مثار العزيمة والنخوة من نفس كل عربي، وهو شرف المرأة.
وعليّ يعلم أن مِن العرب مَن لا يبذل نفسه إلاّ للحفاظ على سمعة امرأة وعلى شرف فتاة، فإذا هو يعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاةُ حِماها ثم انصرفوا آمنين، ما نالت رجلاً منهم طعنة ولا أريق لهم دم.
ثم إنه أبدى ما في نفسه من دهش وحيرة من أمر غريب: (فإنَّ أعداءه يتمسكون بالباطل فيناصرونه، ويدينون بالشر فيغزون الأنبار في سبيله، فيما يقعد أنصاره حتى عن مناصرة الحق فيخذلونه ويفشلون عنه.
ومن الطبيعي أن يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من هذا الغضب، فتأتي حارّة شديدة مسجّعة مقطّعة ناقمة: فقبحاً لكم حين صرتم غرضه يُرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزُون.
ويُعصى الله وترضون!).
وقد تثور عاطفته وتتقطّع فإذا بعضها يزحم بعضاً على مثل هذه الكلمات
نهج البلاغة