راعاك لأدركت حنانَ الأب ومنطق الأبوّة وصدْقَ الوفاء الإنساني وحرارَةَ المحبّة التي تبدأ ولا تنتهي!
أمّا إذا تحدّثَ إليك عن بهاء الوجود وجمالات الخلق وكمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمدادٍ من نجوم السماء!
بيانٌ هو بلاغةٌ من البلاغة، وتنزيلٌ من التنزيل.
بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه وما يكون، حتى قال أحدهم في صاحبه أن كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق!
وخطَب علي جميعاً تنضح بدلائل الشخصية حتى لَكأنّ معانيها وتعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، وأحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفخ الشمال.
فإذا هو يرتجل الخطبة حسّاً دافقاً وشعوراً زاخراً وإخراجاً بالغاً غايةَ الجمال.
وكذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، وعمق الفكرة، وفنّية التعبير، حتى أنها ما نطقتْ بها شفتاه ذهبتْ مثلاً سائراً.
فمن روائعه المرتجلة قولهُ لرجلٍ أفرط في مدحه بلسانه وأفرط في اتّهامه بنفسه: (أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك).
ومن ذلك أنه لمّا اعتزم أن يقوم وحده لمهمّة جليلةٍ تَردّد فيها أنصاره وتخاذلوا، جاءَه هؤلاء وقالوا له وهم يشيرون إلى أعدائه: يا أمير المؤمنين نحن نكفيكَهم.
فقال من فوره:
(ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم؟
إن كانت الرعايا قبلي لتشكوا حَيْفَ رُعاتها، فإنني اليومَ لأشكو حَيْفَ رعيّتي، كأنّني المقود وهم القادة).
ولمّا قتل أصحاب معاوية محمداً بن أبي بكر فبلغه خبر مقتله قال: (إن حزننا
نهج البلاغة