السماوات والأرض.
وأحسّ عليّ أن هذا الكون العظيم متعاونٌ متكافلٌ فكان من ذلك أنّ الريح إذا اشتدت حرّكتْ الأغصان تحريكاً شديداً، وإذا أجفلتٌ قلعتِ الأشجارَ وهاجت لها العناصر، وأنّها إذا لانت وجرتْ فُوَيْقَ الأرضِ جرياً خفيفاً سكرتْ بها صفحاتُ الماء وسكنتْ تحتها الأشياء.
وأحسّ أن الشمس إذا ألقت على الأرض نورها بدتْ معالمُ الأرض للعيون والأذهان، وإذا خلّتْها خلّتْ عليها من الظلمة ستاراً.
وأنّ النبتة تنمو وتزهو وتورق وقد تثمر، وهي شيءٌ يختلف في شكله وغايته عن أشعّة النهار وجسم الهواء وقطرة الماء وتراب الأرض، ولكنها لا تنمو ولا تورق إلاّ بهذه الأشعة وهذا الجسم وهذه القطرة وهذا التراب.
وأحسّ أن الماء الذي (تلاطَمَ تيّارهُ وتّراكم زَخّارُه) كما يقول، إنّما (حُمل على متْن الريح العاصفة والزعزع القاصفة).
وأنّ الريح التي (أعصفَ الله مجراها وأبعد مَنشأها) مأمورةٌ - على بُعد هذا المنشأ - (بتصفيق الماء الزخّار وإثارة موج البحار، تعصفُ به عصْفَها بالفضاء وتردّ أوّلَه إلى آخره، وساجيَه إلى مائره حتى يعبّ عُبابُه).
ومن زينة الأرض وبهجة القلوب هذه النجوم وهذي الكواكب، وضياءُ الثواقب والسراج المستطير والقمر المنير!
أحسّ ابن أبي طالب من وراء ذلك جميعاً أنّ هذا الكون القائم بالحقّ، إنّما ترتبط عناصرُه بعضُها ببعض ارتباطَ تعاوُن وتسانُد، وأنّ لقواه حقوقاً افتُرِضَتْ لبعضها على بعض، وأنّها متكافئةٌ في كلّ وجوهها متلازمة بحُكم
نهج البلاغة