عنف الملاحظة إلى عبقرية البساطة: (ولا تُنال نعمةٌ إلاّ بفراق أخرى!).
ولينظر الناظرون في هذا القول فإنّهم إن فعلوا وثقوا بأنّه الواقع الذي يرتسم كلماتٍ هي أشبه بالقاعدة الرياضية التي لا يمكن الخروج عليها.
أمّا في الحياة العامة، فليس بين شؤون الإنسان شأنٌ واحدٌ يشذّ عن هذه القاعدة التي انتزعها عليّ بن أبي طالب من مادّة الكون العظيم.
فحقّك على مجتمعك هو أن يقيّم هذا المجتمعُ ما تعطيه، كميّةً ونوعاً، ثم أن تأخذ منه بمقدار ما أعطيتَ.
أمّا إذا حصلتَ من المكافأة على أقلّ مما أعطيتَ، فإنّ نصيبك عند ذاك ذاهبٌ إلى سواك، وإن سواك يتمتّع بخيرٍ أنتَ صاحبه ولا شك، وإنك في النتيجة مغصوبٌ مظلوم.
وأما إذا أخذت من المكافأة فوق ما أعطيتَ، فإنّ نصيب غيرك منها ذاهبٌ إليك، وإن سواك من الخلق يجوع بما أكلتَ، وإنك بذلك غاصبٌ ظالم، ووجود المظلوم والظالم في المجتمع مَفْسدةٌ له ومنقصةٌ في موازين العدالة الاجتماعية التي لا تستقيم إلاّ إذا دخلتْ في نطاق مُريحٍ من العدالة الكونية.
والباطل لا يمكن أن يكون قاعدةً بل الحقّ هو القاعدة.
و(الحق لا يُبطله شيء) في قانون الكون!
وهو كذلك في مذهب ابن أبي طالب.
والنظر في الساطع العظيم من مظاهر العدالة الكونية، لم يكن ليُلهي عليّاً عن النظر في ما خفي منها ودَقّ.
وشأنه في ذلك شأن عباقرة الشعراء الذين تولّف دقائقُ الأشياء لديهم، في المادّة والمعنى، ما تولّفه عظائمُها فهم لا يفرقون فيها بين كبيرٍ وصغير، فهي بالمنشأ واحدةٌ وهي كذلك بالدلالة.
نهج البلاغة