وليس للذي يبهر الأنظار حسابٌ في عقولهم وقلوبهم يعلو على حساب ما ينزوي في المخابئ وبين الظلال.
ورُبّ نظرةٍ تُجري من الأحاسيس في كيان هؤلاء ما لا تُجريه ينابيعُ الكلام!
ورُبّ إشارةٍ يُدركون فيها من التصريح ما لا يرونه بألف إعلان!
وربّ زهرةٍ في كَنَف صخرةٍ ينعمون لديها من الشعور بعظمة الوجود بما لا ينعمون به لدى الدوحة العاتية.
بل ربّ صغيرٍ في نظرهم أجلّ من كبير، وقليل أكثر من كثير!
وأرى من الموافق أن أذكر في هذا المجال نُتْفةً من حديث طويلٍ سُقتُه بصدَد الكلام على موقف صاحب الإحساس العظيم والفكر المحيط من الكون الذي يستوي خفيُّه وظاهره في الدلالة على ما فيه من جليلٍ، قلت: (وكأنّي بهذه الطبيعة تمثّل للشاعر جمالَ الحريّة التي يشتهي، إذ تُرسل الريحَ حين تشاء وكيف تشاء لا يهمّها أسَخِطَ الناسُ عليها أم رَضوا قانعين!
وتُفجّر الينابيعَ من الصخرِ، حين ترومُ، ومن رَخِيِّ التراب، وتُجريها هادئةً في السهلِ أو تقذف بها من عالي الجبال.
وتُبرزُ من صدرها أشجاراً وصخوراً وقمماً وودياناً على طريقتها التي تريد، لا يعنيها أن تنبُتَ الزنابقُ إلى جانب الشوك أو تعلَقَ إبرُ السمّ ورداً أخضرَ العود طيّبَ الريح.
ولا تتقيّد بمعرفة تقوم بتحقير الهشيم اليابس وتعظيم الأخضر الفَينان، وبالسخرية من صغار الهوامّ تُطِلّ من ثقوب الصخور، تمجيدا لشراسة القويّ من الوحش يفترسُ الضعيف ).
بهذه النظرة وبهذا الشعور واجهَ ابنُ أبي طالب مظاهرَ الوجود الواحد في
نهج البلاغة