الطبيعتين الصامتة والحيّة، وأحسّ إحساساً بديهيّاً وعميقاً معاً بأنّ قوّة الوجود الشاملة ترعى هشيم النبْت بقانون ترعى به الورقَ الأخضرَ والزرْعَ الذي استوى على سُوقهِ واهتزّ للريح.
وأنّها تُعنَى بالفسيلِ الضئيلِ من شجر الأرض كما تُعنى بالعتيِّ من الدوح العظيم.
أمّا البَهْم والحشرات والغوغاء وصغار الطير، فإنّ الطبيعة لم تبذل في رعايتها نصيباً أقلّ مما تبذله في رعاية الهائل من الوحش ونسر الفضاء.
فلكلّ من المخلوقات مكانُه في سعة الوجود ولكلٍّ حقُّه بهذا الوجود.
لذلك لم يمنع الطودُ الشامخُ عن ابن أبي طالب رؤيةَ الحصاة وذرّة التراب.
ولم يفتْه وهو ينظر إلى الطاووس أن يلتفت إلى النملة المتواضعة الدابّةِ في خفايا الأرض بين حطامها وحصاها، فإذا هي في الوجود خلقٌ جليلٌ وشيءٌ كثير.
وما كان عليّ ليرى في الطاووس والنملة اللذين يبسطهما النهار، شيئاً يزيد في معنى الوجود وفي قيمته عمّا كان يراه في الخفافيش التي جُعل لها الليلُ نهاراً وقَبَضَها الضياءُ الباسطُ لكلّ شيء.
وإنما كان يرى من غوامض الحكمة فيها ما يراه في عظائم المخلوقات.
ويكفي هذا المخلوق، في نهج عليّ، أن يكون ذا رَمَقٍ - أي أن يكون حيّاً - لتكفل له قوّةُ الوجود الشاملة كفْلاً أساسيّاً ما يقيه خطر الموت قبل حينه.
فإنّ العدالة الكونية ما أقامت حيّاً من الأحياء إلاّ وعدلتْ وجودَه بما يُمسك عليه مدّة بقائه.
وهذا ما يعنيه عبقريّ الملاحظة الدقيقةِ الضابطة عليّ
نهج البلاغة