يسمون أنفسهم رجال سياسة، يجوز الاعتداء على العدد القليل من الناس في سبيل العدد الكثير.
وفي حساب هؤلاء، لا يقاس الخير إلاّ بسلامة العدد الكثير، ثم في بلوغه ما يصبو إليه من حال.
فإذا قُتل بحادث اعتداءٍ ألفٌ من الخلق، فالأمر فظيع.
وإذا قُتل ألفان فالأمر أفظع.
وهكذا دواليك.
أمّا إذا قُتل إنسانٌ واحد، بمثل هذا الحادث، فالقضيّة هيّنة والأمر بسيط.
فإنّ دفاتر تجّار الأرواح عند ذاك لا يسقط منها الكثير.
أمّا جداول الضرب وعمليّات الجمع والقسمة، فإن الميسور تعديلها بعمليّة حساب بسيطة.
أمّا ابن أبي طالب فيسحق نظريات هؤلاء التجّار، بقولٍ يتناوله مباشرةً من روح الوجود الذي لا قيمة لديه للأرقام في معنى الحياة، بل للحياة نفسها: (فو اللهِ لو لم يُصيبوا من الناس إلاّ رجلاً واحداً معتمدين لقتله، بلا جُرمٍ جَرّه، لَحَلّ لي قتلُ ذلك الجيش كلّه).
والواضح هنا أنّ الموضوع ليس (قتل الجيش كلّه) بل تمكين فكرة احترام الحياة في أذهان أصحاب السلطة، ولفْت أنظارهم إلى أن قتْل نفسٍ واحدة، قصداً واعتماداً، إنما يساوي قتْل الخلق جميعاً.
ولو أنّنا قسْنا نظرةَ عليِّ بن أبي طالب في هذا المجال بنظراتِ كثيرةٍ من المفكرين الذين رأوا أنّ موازين العدالة لا تتحرك إلاّ بالقوّة والكثرة، لبَدَا لنا كيف ينحدرون حيثُ يسمو، وكيف يتزمّتون ويغلظون حيثُ يرحبُ أُفقُه وتعلو على يديه قِيَمُ الحياة.
ففيما يطبّل بعض هؤلاء ويزمّرون لِمَا (اكتشفوه) من آراء ونظريات تُبيح للقويّ أن يعتزّ بقوّته وحَسْب، وللكثير أن
نهج البلاغة