الأقسامالحِكَم والوصايا والأخلاق والآدابقصار الحكم والكلمات
نهج البلاغة

الكونية.

فلو كنتَ تعيش في فترةٍ من العصور الوسطى بأوروبا، مثلاً، لشاهدتَ في بعض أيامك مواكب من الناس تتلوها مواكبُ بإحدى الساحات العامّة من هذه المدينة أو تلك، وذلك قصْدَ التهليل والتصفيق لمخلوقٍ من الناس مزركش الألبسة عاصب الرأس بالزمرّد والزبرجد والحجارة الكريمة المنظومة.

ولشاهدتَ رجلاً يسير على الرصيف وحيداً، عصبيّ الخطوة عنيفَ النظرة، لا يعنيه أمرُ المهلّلين ولا يعنيهم أمرُه.

فهم يهتفون بحياة (عظيمٍ) وهو إذ ذاك (ليس بعظيم).

ثم أشرقت الشمس بعد زمنٍ فطغتْ على الظلمة وأبرزت الأشياء في مواضعها الحقيقية.

فماذا ترى عند ذاك؟

ترى أنّ هؤلاء الناس المهلّلين المصفّقين - وهم بهذا المقام بمنزلة اللاشيء - إنّما كانوا يهتفون لمخلوقٍ تافهٍ يدعى لويس الرابع عشر مثلاً، أو لنذلٍ من الأنذال يدعى شارل الخامس، أو لصغير كلّ الصغار يدعى شارل الأول، أو لغيرهم ممّن يحملون أسماءً تليها أرقامٌ...

دلالةً على الصغارة.

ثم ماذا يتّضح لك بعد ذاك؟

يتّضح أنّ رجل الرصيف الذي لم يهلّل له القوم ولم يهتفوا بحياته، إنّما هو عظيمٌ حقّ يدعى موليير، أو ملتون، أو غاليليو.

وتجري الأيام، فإذا بأصحاب الأسماء التي تليها الأرقام، ليسوا إلاّ التفاهة كلّها.

وإذا بالمشاة على الرصيف ولا أرقام لأسمائهم، ولا مهلِّلين لهم، ليسوا إلاّ العظمة كلّها.

ويطوي النسيانُ التافهين، ويطوي معهم أولئك (اللاشيء) من المصفّقين الهاتفين.

ويبرز هؤلاء على هامة الوجود، وتُنزلهم الإنسانيةُ من

نهج البلاغة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.