رأوها وأدركوا كثيراً من تفاصيلها وآمنوا بها ودعوا إليها.
وأبناء هذا الفريق يتفاوتون هم أيضاً في قوّة الملاحظة وقوّة التمثيل ثمّ في قوّة البيان عمّا شاهدوه ووثقوا به.
فمنهم مَن لحظَ هذا التكافؤ في بعض مظاهر الكائنات فأعلن عن ذلك إعلاناً فيه بعض البيان عن الحقيقة.
ومنهم مَن رآه في مظاهر الكون الصامت جميعاً ولكنه لم يستشعر له نتائجَ محسوسة في مجرى الوجود ولم يجد له خطّاً موازياً في مظاهر الكون الحيّ.
ومنهم مَن لحظَه في الطبيعة الصامتة واستشعر له نتائج محسوسة في مجرى الوجود ورأى له خطّاً موازياً في الكائنات الحيّة وأعلن عنه بأجلى بيان وأوثق كلام.
من هذا الفريق عليّ بن أبي طالب.
بل قُلْ إنه في طليعة هذا الفريق من المفكرين الأوائل لأنه كاد يُثبت هذه النظرية على نهجٍ سليمٍ قويم لا يتعارض ولا يتناقض ولا مهربَ لبعضه من بعض.
بل قُلْ إنّه فعل ذلك وأبدع.
ولعلّ موقف ابن أبي طالب ممّا لحظَه ورآه من مظاهر التكافؤ في الوجود أجلّ من مواقف زملائه المفكّرين من الناحية العملية.
وذلك بما ألحّ عليه من تأكيد لهذه الحقيقة، توصّلاً إلى ما يترتّب عليها من نتائج في حياة الناس أفراداً وجماعة.
وهذا الواقع ينسجم كلّ الانسجام مع محور الفلسفة العلوية الذي هو: الإنسان.
قلنا إنّ عليّاً يرى الوجود متكافئاً ما نقصَ منه شيءٌ هنا إلا وزاد فيه شيءٌ هناك، وأن هذا النقص وهذه الزيادة يتساويان لا زيادة إلاّ بمقدار النقص ولا نقص إلا بقدر الزيادة.
فيقول أوّل ما يقول، منبّهاً الإنسان إلى هذه الحقيقة
نهج البلاغة