القوانين، وعلى رعايتها بما هو أسمى منها: بالحنان الإنساني.
وما يكون الحنان إلاّ هذا النزوع الروحيّ والماديّ العميق إلى الاكتمال والسموّ.
فهو بذلكٍ ضرورةٌ خلقيّة لأنه ضرورةٌ وجودية.
الصفحة الأولى التي ينشرها عليّ من صفحات الحنان تبدأ بأن يذكر الناس بأنهم جميعاً أخوة فينعتهم بـ(إخواني) نعتاً صريحاً وهو أميرٌ عليهم.
ثم يردف ذلك بتذكير الوُلاة بأنهم إخوان الناس جميع الناس، وبأنّ هذا الإخاء يستلزم العطف بالضرورة، قائلاً إلى أمرائه على الجيوش: (فإنّ حقّاً على الوالي أنْ لا يُغيّره فضلٌ ناله، ولا طَولٌ خُصّ به، وأنْ يزيده ما قسم الله له من نِعَمه دنوّاً من عباده وعطفاً على إخوانه).
وما يذكره لنفسه وللولاة بأنّهم والناس إخوانٌ بالمودّة والحنان، يعود فيقّرره بحكمة شاملة يتّجه بها إلى البشر جميعاً دون تفرقة أو تمييز، قائلاً: (وإنما أنتم إخوانٌ ما فرّق بينكم إلاّ خبث السرائر وسوء الضمائر).
وهو بذلك يضع خبثَ السريرة وسوءَ الضمير في طرف، وحنانَ القلب ومودّةَ النفس في طرفٍ آخر.
ولمّا كان من الحقِّ الوجوديّ للإنسان أن ينعم بحنان الإنسان، فإنّ الطبيعة التي تحمل بذاتها القيَمَ والمقاييس لابدّ لها من التعويض على صالحٍ ضَيّعَه الجيرانُ والأقربون والأهل فما لفّوه برداءٍ من حنان، بعطفٍ وحنانٍ كثيرين بإتيانه من الأباعد، فيقول عليّ: (مَن ضيّعَه الأقربُ أُتيح له الأبعد!).
وهو في سبيل رعاية هذه الأخوّة القائمة بالحنان الإنساني، لا يقبل حتى
نهج البلاغة