بالجماليّة التعبيرية، مما يجعلها، من حيث المادة والشكل، في أصول الأدب الكلاسيكي العربي.
وفي هذا النوع من الحِكَم الموجّهة إلى العقل، نرى عليّاً يصوّر تاركاً للناس أن يحكموا بما يرون.
فيأخذوا إذا شاءوا أو يتركوا.
لذلك لا نرى في هذا النوع من الحِكَم صيَغَ الطلب.
إنّما نرى حِكَماً صيغتْ بقالبٍ خبريٍّ خالصٍ جُرّد من صُوَر الأمر والنهي جميعاً.
حِكَماً تتبلور فيها طبائع الصديق والعدوّ، والمحسن والمسيء، والأحمق والعاقل، والبخيل والكريم، والصادق والمنافق، والظالم والمظلوم، والمعوِز والمتخَم، وصاحب الحقّ وصاحب الباطل، ومفهوم الخلق السليم والخلق السقيم، وشؤون الجاهل والعالم، والناطق والصامت، والأرعن والحليم، وصفات الطامع والقانع، وأحوال العُسْر واليُسر، وتقلبّات الزمان وما لها من أثرٍ في أخلاق الرجال، وما إلى ذلك من أمورٍ لا تُحصى في فصلٍ أو باب.
أما تلك التي يخاطب بها الضمير، والعقلَ والضميرَ مجتمعين، فإليكَ ما هي وما حولها: من الثابت أنّ الذين رأوا في الأنظمة والتشريعات وحدَها سلامةَ الإنسان وكفايةَ المجتمع، قد أخطأوا خطأً عظيماً.
فإن هذه الأنظمة والتشريعات التي تعلن عن حقوق الإنسان وتأمر برعايتها والمحافظة عليها، لا يضبطها في النتيجة، كما لا يُخلص في اكتشافها وابتداعها، إلاّ عقلٌ سليم ونفسٌ مهذّبة وضميرٌ راقٍ.
فإنّ دنيا الناس هذه يرتبط كلّ ما فيها، ضمنَ حدودٍ معيّنةٍ طبعاً، بأخلاق القيّمين على دساتيرها وأنظمتها، وبمدى الخير الذي يتّسع في نفوسهم أو يضيق،
نهج البلاغة